وبينت ذلك بعض الآيات المدنية، قال - تعالى: [ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب] [النساء: 77] ، وقال رسول الله r لأصحابه في مكة:"إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا.." [رواه النسائي والحاكم، وقالا على شرط البخاري] ، ولما استأذنه أهل يثرب ليلة العقبة أن يميلوا على أهل منى فيقتلوهم قال:"إني لم أومر بهذا" [أخرجه أحمد والطيالسي] .
ولعل من حكم الكف والله أعلم ما يأتي:
1-تربية الصحابة على الصبر على الظلم الذي يواجهونه من قومهم، فيتعودون على ضبط أعصابهم عند استثارتها، لأنهم تربوا في بيئة لا ترضى بذلك ولا تصبر عليه، وذلك ليتم الاعتدال في طبائعهم، وليكون في ذلك تربية على الانقياد والطاعة للقيادة التي لا يعرفها العرب.
2-وقد يكون لأن الدعوة السلمية أكثر أثرًا في قبيلة ذات عنجهية وثارات إذ قد يدفعها قتالها إلى زيادة العناد، فتتولد من ذلك ثارات لا تنطفئ أبدًا، وتكون مرتبطة بالدعوة إلى الإسلام فتتحول فكرة الإسلام من دعوة إلى ثارات تنسى معها فكرته الأساسية.
3-ولو أمروا بذلك وهم ليسوا سلطة منتظمة لوقعت مقتلة في كل بيت فيه مؤمن ثم يقال: هذا هو الإسلام يأمر بقتل الأهل والذرية، فتكون سلاحًا إعلاميًا ضد المسلمين.
4-ولعلم الله السابق بأن كثيرًا من هؤلاء المعاندين سيكونون من جند الله بل من خلصهم وقادتهم، وعمر بن الخطاب خير شاهد على ذلك.
5-ولقلة عدد المسلمين وانحصارهم في مكة فلو أمروا بالقتال لكان سببًا إلى فناء المؤمنين ولابد قبل الخوض في معركة مع الباطل من تأسيس القاعدة العريضة التي لا تتأثر بفناء ثلة منها في معركة حاسمة مع الطغاة.