فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أبدا أطاع أو عصى أبدا، فكانت النية سببا في الخلود، بخلاف العمل. وهذا مناف للحكمة والنقل الدال على عدم المؤاخذة على النية، فكيف يدوم العقاب لأجلها أو استحقاق الثواب؟! وإنما العمدة في الخلود على السمع.
أو أنّ النية سرّ لا يطّلع عليه إلا الله، وعمل السر أفضل من عمل الجهر. وفيه: أن العمل أيضا قد يكون سرا، كما لو نوى التفكّر في الملكوت، الّذي ورد أنّ ساعة منه من أفضل العبادات، أو نوى أن يذكر اللََّه بقلبه، فلا يحصل للنية مزية على العمل، فكيف تفضّل عليه لذلك.
والأظهر في الجواب أن يقال: إنّ الخبر جار على عمومه، وأنّ المعنى به أنّ كل طاعة تنتظم بنية وعمل، كانت النية من جملة الخيرات، وكذلك العمل، ولكن النية خير منه.
وأما سبب كونها خيرا منه فلا يفهمه إلا من فهم مقصد الدين وطريقه، ومبلغ أثر الطريق في الإيصال إلى المقصد، وقاس بعض الآثار بالبعض، فإن من قال مثلا: إن الخبز خير من الفاكهة، فإنما أراد أنه خير منها بالإضافة إلى مقصد القوت والاغتذاء، ولا يلزم أن يكون خيرا منها مطلقا حتى لو استغنى في بعض الأوقات عن الغذاء، وافتقر إلى الفاكهة، لحاجته إلى الترطيب ونحوه، كان الخبز أفضل، وإنما يفهم هذا من علم أن للغذاء مقصدا، وهو الصحة والبقاء، وأن الأغذية مختلفة الآثار فيها، وفهم أثر كل واحد، وقاس بعضها إلى بعض.
وكذا نقول هنا: إن الطاعات غذاء القلوب، والمقصود شفاؤها وبقاؤها وسلامتها في الآخرة وسعادتها وتنعّمها بلقاء اللََّه تعالى، فالمقصد له السعادة بلقاء اللََّه تعالى فقط، ولن يتنعم [1] به إلا من مات محبا لله عارفا به، ولن يحبه إلا من عرفه، ولن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على الطاعات وأعمال
(1) في «د» : ينتفع.