فهرس الكتاب

الصفحة 14164 من 14758

هذا التشبيه بالذات كأن الحق سبحانه يُنبِّهنا أن التكبُّر وتصعير الخدِّ داء، فهذا داء جسدي، وهذا داء خلقي. وقد تنبه الشاعر إلى هذا المعنى فقال:

فَدَعْ كُلَّ طَاغِيةٍ للزَّمانِ ... فإنَّ الزمانَ يُقيم الصَّعَر

يعني: إذا لم يستطع أبناء الزمان تقويم صعر المتكبر، فدعْه للزمان فهو جدير بتقويمه، وكثيرًا ما نرى نماذج لأناس تكبروا وتجبروا، وهم الآن لا يستطيع الواحد منهم قيامًا أو قعودًا، بل لا يستطيع أنْ يذب الطير عن وجهه.

والإنسان عادة لا يتكبر إلا إذا شعر في نفسه بميزة عن الآخرين، بدليل أنه إذا رأى مَنْ هو أعلى منه انكسر وتواضع وقوَّم من صَعره، ومثَّلنا لذلك ب (فتوة) الحارة الذي يجلس على القهوة مثلًا واضعًا قدمًا على قدم، غير مُبَال بأحد، فإذا دخل عليه (فتوة) آخر أقوى منه تلقائيًا يعتدل في جلسته.

وهذه المسألة تفسر لنا الحكمة التي تقول (اتق شر من أحسنت إليه) لماذا؟ لأن الذي أحسنتَ إليه مرتْ به فترة كان ضعيفًا محتاجًا وأنت قوي فأحسنتَ إليه، وقدَّمْتَ له المعروف الذي قوّم حياته فأصبح لك يَدٌ عليه، وكلما رآك ذكَّرته بفترة ضعفه، ثم إن الأيام دُوَل تدور بين الخَلْق، والضعيف يصبح قويًا ويحب أنْ يُعلي نفسه بين معارفه، لكنه لا بُدَّ أن يتواضع حينما يرى مَنْ أحسن إليه، وكأن وجود مَنْ أحسن إليه هو العقبة أمام عُلُوِّه وكبريائه؛ لذلك قبل: (اتق شر من أحسنت إليه) .

ثم أن الذي يتكبر ينبغي أنْ يتكبَّر بشيء ذاتي فيه لا بشيء موهوب له، وإذا رأيتَ في نفسك ميزة عن الآخرين فانظر فيما تميزوا وهم به عليك، وساعة تنظر إلى الخَلْق والخالق تجد كل مخلوق لله جميلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت