لذلك تروى قصة الجارية التي كانت تداعب سيدتها، وهي تزينها وتدعو لها بفارس الأحلام ابن الحلال، فقالت سيدتها: لكني مشفقة عليك؛ لأنك سوداء لم ينظر أحد إليك، فقالت الجارية: يا سيدتي، اذكري أن حُسْنك لا يظهر لأعين الناس إلا إذا رأوا قُبْحي - فالذي تراه أنت قبيحًا هو في ذاته جميل، لأنه يبدي جمال الله تعالى في طلاقة القدرة - ثم قالت: يا هذه، لا تغضبي الله بشيءٍ من هذا، أتعيبين النقش، أم تعيبين النقاش؟ ولو أدركت ما فيَّ من أمانة التناول لك في كل ما أكلف به وعدم أمانتك فيما يكلفك به أبوك لعلمت في أي شيء أنا جميلة.
ويقول الشاعر في هذا المعنى:
فَالوَجْه مِثْلُ الصُّبْح مُبيضُّ ... والشَّعْر مثْل الليْل مُسْوَدُّ
ضِدَّانِ لما اسْتجْمعَا حَسُناَ ... والضِّد يُظْهِر حُسْنَهُ الضِّدُّ
والله تعالى يُعلِّمنا هذا الدرس في قوله تعالى: {ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ... } [الحجرات: 11]
فإذا رأيتَ إنسانًا دونك في شيء ففتش في نفسك، وانظر، فلا بُدَّ أنه متميز عليك في شيء آخر، وبذلك يعتدل الميزان.
فالله تعالى وزَّع المواهب بين الخَلْق جميعًا، ولم يحابِ منهم أحدًا على أحد، وكما قلنا: مجموع مواهب كل إنسان يساوي مجموع مواهب الآخر.
وسبق أن ذكرنا أن رجلًا قال للقمان: لقد عرفناك عبدًا أسود غليظ الشفاه، تخدم فلانًا وترعى الغنم، فقال لقمان: نعم، لكني