بنصاله، انتهز بقية الحياة ليحارب بمقاله، ولتصير كلماته دويًا في آذان المسلمين. وليعلم أن هؤلاء الذين أثخنوه جراحًا ما صنعوا فيه إلا أن قربوه إلى لقاء ربه، وأنه ذاهب إلى الجنة. وتلك هي الغاية التي يرجوها كل مؤمن.
ونجد أيضًا أن الذين يعذرهم القرآن في أن يشهدوا معارك الحرب، يتطوعون للمعارك! فمثلا عمرو بن الجموح، كان أعرج، والعرج عذر أقامه الله مع المرض والعمى؛ لأنه سبحانه هو القائل: {لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ} [النور: 61]
وكان لعمرو بن الجموح بنون أربعة مثل الأسْد قد ذهبوا إلى المعركة، ومع ذلك يطلب من رسول الله أن يذهب إلى المعركة ويقول له: يا رسول الله إن بَنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة.
فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أمّا أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك. وقال لبنيه: ما عليكم ألاّ تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة، فخرج معه فقتل.
وهذا مؤمن آخر يقول لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يا رسول الله إن ابني الذي استشهد ببدر رأيته في الرؤيا يقول لي: «يا أبت أقبل علينا» فأرجو أن تأذن لي بالقتال في «أحُد» فأن له فقاتل فقتل فصار شهيدًا. وتتجلى الروعة الايمانية والنسب الاسلامي في حذيفة بن اليمان، لقد كان ابوه شيخًا كبيرًا مسلمًا فأخذ سيفه ولحق برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعل الله يرزقه الشهادة في سبيل الله، فدخل في المعركة ولا يعلم به أحد فقتله المسلمون