فهرس الكتاب

الصفحة 3411 من 4800

وقال في ذم الكفار: (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) فلم يخشوا لأن الخاشع مستكين لربه متضرع متذلل إليه.

وقال: (فاستكبروا وكانوا عالين) والاستكبار والعلو مناقضان للخشوع، إذ الخشوع، تطامن وتذلل وخضوع لله رب العالمين.

فبدء السورة بالخشوع، هو المناسب لجو السورة .

ثم إن البدء به له دلالة أخرى، ذلك أنه ورد في الآثار، أن الخشوع أول ما يرفع من الناس، وقد جاء عن عبادة بن الصامت أنه قال:"يوشك أن تدخل المسجد، فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا"وعن حذيفة أنه قال:"أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ، وتنقض عرى الإسلام عروة عروة".

فبدأ بما يرفع أولًا، وختم بما يرفع آخرًا، وهو الصلاة ، فقال: (والذين هم على صلاتهم يحافظون) .

ثم انظر كيف جاء بالخشوع بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات ولم يقل: (يخشون) للدلالة على أنه وصف لهم دائم في الصلاة غير عارض، فإنه وصف لهم دائم في الصلاة غير عارض، فإن الصلاة إذا ذهب منها الخشوع كانت ميتة بلا روح.

ثم انظر كيف أنه لما وصفهم بالإيمان على جهة الثبوت، وصفهم بالخشوع في الصلاة على جهة الثبوت والدوام أيضًا فإنه لو قال: (يخشون) لصح الوصف لهم وإن حصل لحظة في القلب أو الجارحة في حين أنه يريد أن يكون لهم الاتصاف في القلب والجوارح ما داموا في الصلاة .

وتقديم الجار والمجرور (في صلاتهم) على (خاشعون) له دلالته أيضًا، ذلك أن التقديم يفيد العناية والاهتمام، فقدم الصلاة لأنها أهم ركن في الإسلام حتى أنه جاء في الأثر الصحيح، أن تاركها كافر هادم للدين، وحتى أن الفقهاء اختلفوا في كفر تاركها فمنهم من قال: إن تاركها كافر، وإن نطق بالشهادتين.

في حين أنه لو قدم الخشوع، لكان المعنى أن الخشوع أهم، وليس كذلك فإن الصلاة أهم. والصلاة من غير خشوع أكبر وأعظم عند الله من خشوع بلا صلاة ، فإن المصلي، وإن لم يكن خاشعًا أسقط فرضه وقام بركنه بخلاف من لم يصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت