فهرس الكتاب

الصفحة 3420 من 4800

واختيار: (غير ملومين) في قوله: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) ، اختيار لطيف، ذلك أنه علاوة على ما يفيده ظاهر النص من أن الذي يعتدي على أعراض الناس ملوم على ما فعل، فإنه يفيد أيضًا أن الذي يبتغي وراء ما ذكر ملوم من نفسه ومن الناس لما يحدث في نفسه وفيهم من أضرار وأمراض فه يلوم نفسه على ما أحدث فيها من أوجاع وعاهات مستديمة ، وعلى ما أحدث في زوجه وعائلته. وحتى ولده الذي لا يزال جنينًا في بطن أمه قد يصيبه من عقابيل ذلك ما يجعله شقيًا معذبًا طوال حياته، وملوم من المجتمع على ما أحدثه في نفسه وعلى ما يحدثه فيهم من أمراض معدية مهلكة . فمن حفظ فرجه فهو غير ملوم، وإلا فهو ملوم أشد اللوم.

ثم قال: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) .

و (العادون) هم المعتدون، ومعنى الآية: أن هؤلاء هم"الكاملون في العدوان المتناهون فيه"فإنه لم يقل: (فأولئك عادون) أو (من العادين) بل قال: (فأولئك هم العادون) للدلالة على المبالغة في الاعتداء من جهة أن العرض أثمن وأعلى من كل ما يعتدى عليه وينال منه، ومن جهة أن هؤلاء هم أولى من يوصف بالعدوان، لأنهم يعتدون على أنفسهم بما يجرون على أزواجهم وعوائلهم، بما ينقلونه إليهم من هذه الأوجاع والأمراض، ويعتدون على أولادهم وعلى الجيل اللاحق من أبنائهم، ممن لم يظهر إلى الدنيا بما يلحقونه بقهم منة هذه الآفات المستديمة ، ويعتدون على المجتمع الذي يعيشون فيه، بما ينقلونه إليه من أمراض معدية مرعبة وما (الإيدز) إلا واحد من هذه الأمراض الوبيلة المرعبة . أفهناك عدوان أوسع من هذا العدوان وأخطر منه؟

نحن نعرف أن المعتدي قد يتعتدي على بيت أو قبيلة ، أما أن يمتد العدوان إلى الإنسان نفسه وأولاده وزوجه وربما إلى طبيبه الذي يعالجه، وإلى الجيل الذي لم يظهر بعد، وإلى المجتمع على وجه العموم، فهذا شر أنواع العدوان وأولى بأن يوسم صاحبه به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت