فهرس الكتاب
وتقديم الزكاة للاهتمام والعناية والقصر، أي: لا يفعلون إلا الخير، والزكاة منها.
وقد تقول: ولم لم يقل: (والذين هم للصلاة فاعلون) ، كما قال: (والذين هم للزكاة فاعلون) ؟
والجواب: أن إخراج النصاب إلى مستحقه كاف لأداء فريضة الزكاة ، وليس وراءه شيء يتعلق بها، فإن لم يفعل ذلك فلا زكاة . أما فعل الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود مع هيئاتها الأخرى، فليس بكاف، بل ينبغي أن يكون مع ذلك خشوع وتدبر وحضور قلب وسنن، وآداب تكمل هذه الأفعال الظاهرة وتتمها، ولذلك قال r:"لك من صلاتك ما عقلت منها"،فأتضح الفرق بينهما.
وقال بعدها: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) .
قيل: المعنى: أنهم ممسكون لفروجهم على أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
جاء في (البحر المحيط) : (حفظ) لا يتعدى بعلى ... والأولى أن يكون من باب التضمين ضمن (حافظون) معنى ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله: (أمسك عليك زوجك) ""
وجاء في (فتح القدير) :"ومعنى حفظهم لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم ... وقيل: إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ. أي: لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم. وقيل: المعنى: إلا والين على أزواجهم وقوامين عليهم".
إن اختيار هذا التعبير اختيار عجيب، وفيه آيات عظيمة لمن تدبر ونظر. ذلك أنه قال: (والذين هم لفروجهم حافظون) ، ولم يقل (ممسكون) أو نحو ذلك مما فسر به. وفي اختيار (الحفظ) سر بديع، ذلك أن الذي يمسك فرجه عما لا يحل يكون حافظًا لنفسه ولفرجه من الآفات والأمراض والأوجاع التي تصيبه، وهي أمراض وبيلة وخيمة العاقبة . ومن أرسله في المحرمات، فإنما يكون قد ضيعه وضيع نفسه.
جاء في الحديث:"لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا" [25] .