فهرس الكتاب

الصفحة 1066 من 1411

ثم تواردت الأحاديث القولية والسنة العملية تبيّن مشروعية الجزية وعقد الذمة، وجرى على ذلك العمل في عهد الخلفاء الراشدين، ومَنْ بعدهم في صدر الدولة الإسلامية، إلى وقت قريب؛ حيث اختفى أو توارى هذا النظام في العمل الدولي الإسلامي المعاصر نتيجة لملابسات وتطورات لا يجوز أن تؤثر على أصل الحكم الشرعي (10) .

ثامنًا: حكمة مشروعية عقد الذمة:

يوجب الإسلام تأليف قلوب غير المسلمين المقيمين في دار الإسلام وحسن معاملتهم. وإقامة غير المسلمين في دار الإسلام إقامة دائمة سبيلٌ للدعوة إلى الإسلام بأحسن الطرق من خلال المخالطة والمعاملة المتبادلة، وبذلك يتعرف غير المسلمين على أحكام الإسلام ومحاسنه ودلائله؛ مما قد يحملهم ذلك على الدخول فيه عن طواعية واختيار، وعن قناعة ورضى، وهذا يعني أن المسلمين ينبغي أن يكونوا ـ في سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم ـ ترجمة صادقة لأحكام الإسلام.

تاسعًا: مَنْ تُعْقد لهم الذمة؟:

انعقد إجماع العلماء على عقد الذمة وقبول الجزية من أهل الكتابيْن ـ اليهود والنصارى ـ والمجوس، وأهل الأوثان من العجم، وعلى عدم قبولها من المرتدّين.

ووقع الخلاف فيما وراء ذلك؛ فذهب أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن إلى أنها تُقْبل من مشركي العرب. وهو رواية عن الإمام أحمد. وقال أبو يوسف القاضي: لا تؤخذ من العربي؛ كتابيًا كان أو مشركًا. وذهب الشافعي إلى أن الجزية على الأديان لا على الأنساب، فتؤخذ من أهل الكتاب عربًا كانوا أو عجمًا، ولا تؤخذ من المشركين بحالٍ. وذهب الأوزاعي ومالك إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتدّ.

وقد رجح القاضي أبو بكر العربي، وابن تيمية، وابن القيم والشوكاني ـ رجحوا هذا المذهب الأخير في عقد الذمة لجميع الكفار عدا المرتدين؛ لأن أخذ الجزية من المجوس ـ وهم أهل شرك ـ دليل على جواز أخذها من جميع المشركين؛ وليس في القرآن الكريم ولا الحديث الشريف تخصيص العرب بحكمٍ من أحكام الشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت