وإنما لم يأخذها صلى الله عليه وسلم من أهل الأوثان العرب؛ لأنهم كانوا قد أسلموا قبل نزول آية الجزية، كما لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه؛ لأن آية الجزية لم تكن نزلت بعد، ولا فرق ولا تأثير لتغليظ كفر بعض الطوائف على بعض (11) .
عاشرًا: مركز الذميين:
القاعدة العامة في مركز أهل الذمة في الدولة الإسلامية ـ دار الإسلام ـ أنهم رعية من رعاياها، يسري عليهم القانون الإسلامي فيما يتعلق بشؤونهم الدنيوية، ويلتزمون بأحكام الإسلام فيما يعود إلى العقوبات والمعاملات، فيما يُحْكم به عليهم من أداء الحقوق أو ترك المحرّمات؛ لأنهم من أهل دار الإسلام، وفيما عدا ما يختصون به من أحكام دينهم في الاعتقادات والعبادات، وفي الزواج والطلاق (الأحوال الشخصية) ونحو ذلك مما يرونه عندهم فهم فيه أحرار، لا يتعرض لهم المسلمون بشيء.
والحكم العام الذي يطبّق على أهل الذمة في الدولة الإسلامية هو ما عبّر عنه عليّ ] بقوله: (من كانت له ذمتنا فَدَمُه كدَمِنا ودِيتُه كديتنا) (12) .
وعلى هذا؛ فإن ما يطلقه بعض الكتّاب من المساواة التامة بين المسلمين والذميين، ليس صحيحًا على إطلاقه، وإنما ينبغي تقييده، فهي مساواة أمام القانون وليست مساواة في القانون ـ كما عبّر بعضهم عن ذلك؛ وذلك لأن بعض الحقوق والحريات لها مواصفات لا تنطبق على الذميين (13) .
وذلك كله منبثق من أن الذميين رعية من رعايا دار الإسلام، وإن لم يكونوا جزءًا من الأمة الإسلامية؛ لأن الأمة الإسلامية لها معنىً ديني؛ ولهذا؛ فلا يتمتع الذميون بالجنسية الإسلامية، وإن كان بعض المعاصرين يميل إلى أنهم يتمتعون بها باعتبارهم من أهل دار الإسلام، مع أن رابطة الجنسية بالمفهوم الحديث رابطة حدثية.
ولا نجد ضيرًا في اعتبار الذميين أجانب عن دار الإسلام، لا يتمتعون بجنسيتها، طالما أنهم رعية من رعاياها يتمتعون بحقوقهم كاملة غير منقوصة.