ثم قال ويا لهول ما قال:"وكان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بني العباس، فيخرج بأولاده ونسائه فيُذهب به إلى المقبرة، فيذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه، وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجُمُعات مدة شهور ببغداد."
وأراد الوزير ابن العلقمي ـ قبحه الله ولعنه، وكان شيعيًا جلدًا رافضيًا خبيثًا ـ أن يعطل المساجد والمدارس والربط ببغداد، ويستمر بالمشاهد ومحال الرفض، وأن يبني للرافضة مدرسة هائلة ينشرون علمهم بها، فلم يقدره الله تعالى على ذلك، بل أزال نعمته عنه، وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، وأتبعه بولده فاجتمعا ـ والله أعلم ـ بالدرك الأسفل من النار. نسأل الله أن تكون هذه عاقبته، وعاقبة أحفاده من الشيعة الرافضة الذين خانوا المسلمين، ووالوا أعداء الدين، وسلموا البلاد طواعية للمعتدين"."
ثم يقول ابن كثير:"ولما انقضى الأمر المقدر، وانقضت الأربعون يومًا، بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس والقتلى في الطرقات، كأنها التلول وقد سقط عليهم المطر، فتغيرت صورهم، وأنتنت من جِيفهم البلد، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء، والوباء، والفناء، والطعن والطاعون. فإنا لله وإنا إليه راجعون."
ولما نودى ببغداد بالأمان، خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقُنِيّ والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضًا، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد، فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى"."
لسائل الدمع عن بغداد أخبار …فما وقوفك والأحباب قد ساروا
علا الصليب على أعلى منابرها ……وقام بالأمر من يحويه زنار