فهرس الكتاب

الصفحة 1296 من 1411

ويتقاضانا التجرد عن الهوى أن نعترف بأن هذا المأخذ صحيحٌ في بعض صورِه؛ ولكن على نحوٍ أقل من درجة التصوير المبالغِ فيها. نعترف بها إنصافًا للحقيقة ونصرةً للحق ولو وافق شيئًا مما يتهمنا به"الآخَر"وينقمه علينا، وكما تكون نصرة الحق بتكذيب الدعاوى الباطلة فإنها تكون كذلك بالاعتراف بالخطأ ولو بالغ في تصويره المغرضون، فلدنيا أحاديةُ رأيٍ في بعض المسائل الاجتهادية، والتي ليس فيها نصٌ صريحٌ ولا إجماعٌ صحيح، ومع ذلك لم تتّسع فيها صدورُنا للمخالف، وصار قولنا في هذه المسألة الاجتهادية صوابًا لا يحتمل الخطأ، وقولُ غيرِنا خطأً لا يحتمل الصواب.

على أنه ليس كل"آخر"يقبل، ولا كل رأي يُعتبر ويحترم؛ فإن"الآخَر"الذي يجب قبوله واحترام رأيه وأن تتسع الصدور لخلافه هو هذا الذي تأتي مخالفته في مسألة اجتهادية لا نصّ فيها صريح ويتفق معنا في الأصول، فهو"الآخَر"الذي لا يجوز إقصاؤه ولا اتهامه في دينه، بل له أخوة الإسلام وحقوقُ المسلمين، ولا يجوز أن نقطع عنه علائق الود والولاء.

أما"الآخَر"الذي يخالف في مسألة أصولية فأنّى لقوله قبول؟! وأنى لرأيه احترام؟! بل الواجب الحتم منعُه من نشر ضلالاته وشبهاته؛ لأن البلد بلد الإسلام الذي لا يجوز بحالٍ أن تُرفع فيها أصول غير أصوله، وحق هذا علينا أن يُدعَى إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة كما يدعى لذلك كل ضال وجاهل.

وأما التعايش السلمي فحقٌ ممنوح لكل مَن يُساكِنُنا في مجتمعنا ولو كان من ديانةٍ أو طائفة أخرى، كافرًا أو مبتدعًا؛ كما عايش النبي اليهودَ في المدينة وسالمهم؛ فخالطوا المسلمين وعاملوهم، فلما نقضوا عهدَه وحاولوا قتله وآذوا المسلمين وظاهروا عليهم الكافرين قتل منهم من قتل، وأجلى منهم من أجلى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت