فهرس الكتاب

الصفحة 1297 من 1411

فمن احترمَ ديننا ولم ينازعنا في أصولنا وكف عنا شره وأذاه وأمسك عن الدعوة إلى ضلالته فله حق السِلم ما سالمنا، وله مطلق الحرية أن يفعل في بيته ما يشاء؛ كما قرر العلماء قديمًا هذا الحق لأشباهه من أهل الذمة، على أن لا يستعلن بذلك خارج بيته؛ فيجرح المشاعر، ويُلوّث الفكر والأخلاق، ويُلبِس على الناس دينهم.

"الآخَر"مصطلحٌ لم يكن وليد هذه الظروف، فقد كانت المطالبةُ بقبوله واحترامِه وعدمِ إقصائه تُلقى بصوت خافت وبتوجّسٍ وخيِفَة لا يكاد يسمعها إلا النخبة المثقفة، حتى إذا خرج المارد من قُمقُمه وجاء بلادَ الإسلام بقضه وقضيضه مستعمرًا بثوب جديد وبأس شديد خرجت من جحورها الأحراش، واستبشر بمقدمه الأوباشُ، وتدرعوا ببأسه، واستقووا بقوته، وانضووا تحت رايته طابورًا خامسًا ينهش لُحمة المجتمع من الداخل، يزعم الإصلاح ولكن على الطريقة الأمريكية المعروفة.

وأشهر هذا"الآخَر"الذي يطالب بقبوله واحترامه ويندد بإقصائه هو التيار الليبرالي، الذي يعني في أول ما يعنيه بـ"الآخَر"توجهَه هو؛ حتى لو قال كفرًا أو نازعَ في أصل من الأصول، فكل نصٍ ولو كان صريحًا فهو عنده محتمِل التأويل، ولو بالتفسير الباطني الخرافي الذي لا يتوافق مع عقلانيته.

ولْننظر فيما ينقم منا هذا"الآخَر"وفيما يطالبنا به، ثم لنقارن ذلك بسلوكه في هذه المطالبة وبتعامله مع مخالفيه.

لقد نقم منا هذا"الآخَر"أحادية الرأي وإقصاءَ"الآخَر"وعدم قبوله واحترامِ رأيه وسوءَ الأدب في الحوار وعدم التثبت في نقل الأخبار ومجاوزة نقد الأفعال إلى محاكمة النوايا واتهامها وتغليب إساءة الظن. وكما قلتُ: هذا في بعضه صحيح ولا شك، غير أن من الصحيح أيضًا أن كل ما نقمه علينا هو موجود فيه، فكأنه يتحسس أدواءه ليذكِّرنا بأدوائنا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت