وذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى أنّ ملكيّة الأخماس الأربعة في الكنز الموجود في أرضٍ مملوكةٍ للواجد أو غيره ليست للواجد ولا لمالك الأرض , وإنّما يرجع هذا الملك إلى المختطّ له الأوّل الّذي انتقلت إليه ملكيّة الأرض بما فيها بعد تقسيم الإمام لها عقب فتحها على أيدي الجيش المسلم , ويعرّف المرغيناني المختطّ له بأنّه هو الّذي ملّكه الإمام هذه البقعة أوّل الفتح , ويعقّب الكمال على هذا بقوله: لا نقول إنّ الإمام يملّك المختطّ له الكنز بالقسمة , بل يملّكه البقعة ويقرّر يده فيها ويقطع مزاحمة سائر الغانمين فيها , وإذا صار مستوليًا عليها أقوى الاستيلاءات , وهو بيد خصوص الملك السّابقة فيملك بها ما في الباطن من المال المباح , للاتّفاق على أنّ الغانمين لم يعتبر لهم ملك في هذا الكنز بعد الاختطاط , وإلا لوجب صرفه إليهم أو إلى ذراريّهم , فإن لم يعرفوا وضع في بيت المال واللازم منتفٍ , ثمّ إذا ملكه - أي الكنز - لم يصر مباحًا فلا يدخل في بيع الأرض , فلا يملكه مشتري الأرض كالدرّة في بطن السّمكة يملكها الصّائد لسبق يد الخصوص إلى السّمكة حال إباحتها , ثمّ لا يملكها مشتري السّمكة لانتفاء الإباحة , وما ذكر في السّمكة من الإطلاق ظاهر الرّواية .
أمّا إن لم يعرف هذا المختط له ولا ورثته فإنّما يستحق الكنز أقصى مالكٍ يعرف في الإسلام , وهو اختيار السّرخسيّ , خلافًا لأبي اليسر البزدويّ الّذي اختار استحقاق بيت المال للكنز , يقول السّرخسي: إن كان المختط له باقيًا أو وارثه دفع إليه , وإلا فهو لأقصى مالكٍ يعرف لهذه البقعة في الإسلام , وهذا قول أبي حنيفة ومحمّدٍ , ولعلّ أبا اليسر قد نظر إلى تعذر التّعرف على المختطّ له في عصره فأوجب ملك الأربعة الأخماس لبيت المال .