وقد ثبت في صحيح مسلم، والترمذى من طريق الجريرى، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد: أنه اصطحب هو وابن صياد من المدينة إلى مكة فقال لأبى سعيد: لقد هممت أن أخنق نفسى بهذه الشجرة مما يقول الناس في الدجال.
ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ عَقِيمٌ لاَ يُولَدُ لَهُ؟» لقد خلفت ولدى بالمدينة.
ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ مَكَّةَ وَلاَ الْمَدِينَةَ؟» ألست من أهل المدينة وهوذا أنطلق إلى مكة.
فوالله ما زال يقول حتى ظننت أنه مكذوب عليه.
ثم قال: والله إنى لأعرفه وأعرف والده، وأعرف أين هو من الأرض.
وفى رواية: أنه. فقلت: أتكره أن تكون هو؟ فقال: لا، فقلت: تبا لك سائر اليوم [1] .
فقوله: ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا، ألم يقل كذا رواية، فلهذا ذكرناه، وإن كان قد صمم بعض السلف مع هذا كله أنه الدجال، والذى اشتهر به حسبما قال بعضهم: إنه دجال من الدجاجلة لا أنه المذكور في الأحاديث، / ولا سيما تميم الدارى [2]
ـ وقدمته فى
(1) يرجع إلى الخبر بألفاظ أتم من هذا عند مسلم في الفتن (باب ذكر ابن صياد) : مسلم بشرح النووى: 5/773؛ والترمذى في الباب: صحيح الترمذى: 4/516.
(2) خبر تميم الدارى يرجع إليه عند مسلم في الفتن من حديث فاطمة بنت قيس، وكانت من المهاجرات الأول، وهو خبر طويل: أن تميمًا الدارى كان رجلًا نصرانيًا، فجاء وبايع وأسلم، وذكر للنبى - صلى الله عليه وسلم - خبر سفره في البحر مع رفقة له حتى انتهوا إلى بيعة في جزيرة، وفى نهاية الخبر يقول لهم الرجل: «وإنى مخبركم عنى، إنى أنا المسيح، وإنى أوشك أن يؤذن لى في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض ... » الخ. ونقل الإمام النووى في قصة ابن صياد أقولًا تطول أهمها: قال العلماء: قصته مشكلة، وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره؟ ولا =
= ... شك في أنه دجال من الدجالة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال وال غيره، وإنما أوحى إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، ولذلك كان النبى - صلى الله عليه وسلم - لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره ولهذا قال لعمر ـ - رضي الله عنه - ـ: «إن يكن هو فلن تستطيع قتله» .
وأما احتجاجه بأنه مسلم والدجال كافر ـ وساق بقية حججه ـ فلا دلالة له فيه، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه إلى الأرض ... إلخ. يراجع مسلم بشرح النووى: 5/769، 799.
وحديثه عند البخارى في الجهاد من حديث ابن عمر (باب كيف يعرض الإسلام على الصبى) : فتح البارى: 6/171.
نقول: والذى تستخير الله فيه أن ذكره في الصحابة بعيد، ويكفى قوله في الخبر الذى أخرجاه للنبى - صلى الله عليه وسلم: أتشهد أنى رسول الله؟ وحسبه بذلك جحودًا ونكرانًا، وأيضًا فقد كان أبو سعيد أشفق عليه ومال إلى تصديقه، ولكنه لما قال قولته الأخيرة قال له أبو سعيد: تبًا لك سائر يوم. يراجع الترمذى: 4/517.