فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 510

وِإِلَيكَ مِثَالًا لِمَا حَدَثَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ النَّصَارَى يَقَولُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فَي تَفْسِيرِ قَولِ اللهِ تَعَالَى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} يَقُولُ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَن عَدِيِ بِنِ حَاتِمِ - رضي الله عنه - أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرَّ إِلَى الشَّامِ وِكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأُسِرَتْ أُخْتُهُ وَجَمَاعَةٌ مِن قَوْمِهِ ثُمَّ مَنَّ رَسُولُ اللهِ عَلَى أُخْتِهِ وِأَعْطَاهَا فَرَجَعَتْ إِلَى أَخِيهَا فَرَغَّبَتْهُ فَي الإِسْلاَمِ وَفِي الْقُدُومِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَقَدَّمَ عَدِيُّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ رَئِيسًا فِي قَوْمِهِ طَيَّءٍ [وَأَبُوهُ حَاتِمُ الطَّائِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْكَرَمِ] فَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِقُدُومِهِ فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي عُنُقِ عَدِيٍ صَلِيبٌ مِن فِضَّةٍ وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآَيَةُ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ} قَالَ فَقُلْتُ إِنَّهُم لَمْ يَعْبُدُوهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَلَى إِنَّهُم حَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلاَلَ وَحَلَّلُوا لَهُمُ الْحَرَامَ فَاتَّبَعُوهُمْ فَذَلِكَ عِبَادَتُهُم إِيَّاهُم فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - (( يَا عَدِيُّ مَا تَقُولُ؟ أَيَضُرُّكَ أَن يُقَالَ اللهُ أَكْبَرُ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنَ اللهِ؟ مَا يَضُرُّكَ أَيَضُرُّكَ أَن يُقَالَ لا إِلَهَ إِلا اللهُ فَهَلْ تَعْلَمُ إِلَهًا غَيْرَ اللهِ؟ ثُمَّ دَعَاهُ إِلَى الإِسْلاَمِ فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَهُ اسْتَبْشَرَ ثُمَّ قَالَ (( إِنَّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمِ وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ ) ).

وَقَالَ حُذَيْفَةُ بِنُ الْيَمَانِ وَعَبْدُ اللهِ بِنُ عَبَّاسِ وَغَيْرًهُمَا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآَيَةِ إِنَّهُم اتَّبَعُوهُمْ فِيمَا حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا وَقَالَ السُدِّيُّ فِي تَفْسِيرهِ مَعْنَى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبِابًا مِن دُونِ اللهِ} اسْتَنْصَحُوا الرِّجَالَ وَنَبَذُوا كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} أَي الَّذِي إِذَا حَرَّمَ الشَّيْءَ عَلَيْهِم فَهُوَ الْحَرَامُ، وَمَا أَحَلَّه لَهُمْ فَهُوَ الْحَلاَلُ، وَمَا شَرَعَهُ اتُّبِعَ، وَمَا حَكَمَ بِهِ نَفَذَ إِلَى هُنَا انتَهَى كَلاَمُ ابِنِ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ الآَيَةِ وَمِن خِلاَلِ الْحَدِيثِ وِتَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ لِلآَيَةِ نَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُرْسِي لَنَا الْقَاعِدَةَ وَيُعَلِّمُنَا أَنَّ الْعِبَادَةَ هِي الطَّاعَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - لِعَدِيِ بِنِ حَاتِمِ لَمَّا قَالَ لَهُ إِنَّهُم لَمْ يَعْبُدُوهُم قَالَ: بَلَى إِنَّهُمْ حَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلاَلَ وَأَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ فَاتَّبَعُوهُم فَذَلِكَ عِبَادَتُهُم إِيَّاهُم وَمِن ذَلِكَ نَفْهَمُ أَنَّ الطَّاعَةَ هِيَ الْعِبَادَةُ وَعِبَادَةُ اللهِ تَعْنِي طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَلَو تَدَبَّرْتَ الآَيَاتِ الْكَرِيمَةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي حَقِّ خَيْرِ الْبَشَرِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لَعَلِمْتَ أَنَّ الاتِّبَاعَ هُوَ سُنَّةُ الأَنْبِياءِ وَسَبِيلُهُمْ وَإِلَيكَ الآَيَاتُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى {اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إِلَهَ إَلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 106]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت