ولعل من المفيد في هذا المقام أن ننبه إلى ما تقدم ذكره عند الكلام عن حقيقة الإيمان من اتفاق العلماء على أن النطق بالشهادتين يكفي لاعتبار الناطق بهما مسلما من حيث الظاهر ومن أجل إجراء الأحكام الدنيوية عليه وأنه لا يكفي من أجل الخلاص من الخلود في النار حتى يقر بالتصديق القلبي فمن أقر بهما مع ما تقدم من الشروط عومل بمقتضى الإسلام في الحياة الدنيا وإن كان منافقا في حقيقة أمره لأننا مأمورون ببناء الأحكام في هذه الحياة على الظاهر وترك السرائر لله تعالى فإنه لا يعلمها إلا هو سبحانه وقد رأيت فيما تقدم إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على أسامة بن زيد عندما ترك العمل بالظاهر وقتل من قال: لا إله إلا الله ظنا منه أنه لم يكن مخلصا في قوله.
(نواقض الإيمان)
عرفت فيما تقدم كيف يدخل الناس في دين الله عز وجل والذين يلجون باب الإيمان أنواع: فمنهم من يثبته الله عليه فيموت مقرا مصدقا بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومنهم من يرتد على عقبيه بسبب إنكاره وجحوده.
والنوع الأول يتفاوت فيه المؤمنون: فمنهم المحسنون ومنهم المقتصدون ومنهم الظالمون لأنفسهم ومنهم من يدخل الجنة بغير حساب ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا ومنهم من يعذب في النار حتى يمن الله عليه فيخلصه منها بفضله سبحانه.
وأما أسباب الخروج من الإسلام بعد الدخول فيه فنذكر لك أولا القاعدة الجامعة التي اتفق عليها أهل السنة ثم نشرع في تفصيلها:
القاعدة:
فأما القاعدة العامة التي تحكم ما يُكَفِّرُ من الاعتقادات والأقوال والأفعال فنختار في التعبير عنها ما قاله الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في العقيدة الطحاوية: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - معترفين وله بكل ما قال: ه وأخبر مصدقين ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه)