فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 510

شكل لها ولا تخطيط وجميعها مراحل حقيرة أشبه ما يكون الإنسان بالميت ومع ذلك فإن الله سبحانه يخلق فيها الحياة, ويشكلها ويودع فيها أسباب الحياة إلى أن تغدو في نهاية الأمر بشرا سويا يفكر ويشعر ويخاصم ويجادل فما أشبه هذا الصنع الرباني بإحياء الموتى الذي يستنكره المنكرون للبعث ولذلك قال: عز وجل: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى 37} ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى {38} فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى {39} أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى {40} [القيامة: 40:37]

وفي الآيات السابقة دليل آخر على البعث وآية أخرى على قدرة الله في إحياء الموتى: هذه الأرض القاحلة لا ترى فيها أثر الحياة ولا ينبت فيها شيء فإذا أنزل الله عليها المطر ظهرت فيها الحياة وأنبتت من الزروع, وأشتات النبات في أختلاف ألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها ومنافعها, وكما قال: تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت:39] وقال: تعالى {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} {المؤمنون: 115} وقال: أيضا {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} {القيامة:36}

فهاتان الآيتان وأمثالهما تقرران أن الإيمان بالمعاد والحساب والجزاء هو من مقتضيات توحيد الله في صفاته الكاملة وأسمائه الحسنى فهذا الركن من لوازم الركن الأول من أركان الإيمان ومن كفر به لم يكن مؤمنا بالله عز وجل لأن ذلك يستلزم كفره بحكمة ربه وعدله في خلقه وتعطيل صفاته سبحانه وتعالى.

ومن لوازم هذا الكفر أحنقار الإنسان لنفسه باعتقاده أنه خلق عبثا لا لحكمة بالغة وأن وجوده في الأرض موقوت محدد بهذا العمر القصير المليئ بالنكد والهموم والمصائب والظلم والبغي والآثام وأنه يترك سدى فلا يجزى الظالم بظلمه والعادل بعدله والمصلح بإصلاحه والمفسد بإفساده والمسيئ بإساءته فالإيمان بالبعث واليوم الآخر هو الذي يليق بجلال الله وعدله وحكمته ويحكم به العقل وتطمئن إليه الفطرة السليمة.

وإذا كان الإيمان باليوم الآخر من أهم الأركان التي يقوم عليها الإيمان فإنه لا يتحقق ولا يكون تاما إلا بأمرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت