فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 510

فتدبر هذه الآيات الكريمات من سورة الحج فإن فيها من الأدلة على البعث والآيات البينات على قدرة الله في إحياء الموتى ما يمحو كل شك من القلوب حول هذه الحقيقة ويزيل كل استغراب ويفند شبهات المعاندين.

1 -ففيها أولا دليل إنشاء الخلق وبدأهم من تراب ليس فيه مظهر من مظاهر الحياة وقد تقدم الكلام عن هذا الدليل.

2 -وفيها إبراز لمظهر من مظاهر قدرة الله في خلق الإنسان ونقله من طور إلى طور وحال إلى حال أخرى تختلف عن الأولى كل الاختلاف فإن من نقله من النطفة إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم شق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام والأعصاب وغيرها ثم أحكم خلقه غاية الإحكام وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هى أتم وأحسن الأشكال, كما قال: تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} {التين:4} كيف يعجز عن بعثه وإعادة الحياة إليه؟ فليس هذا إلا عمليه نقل من حال إلى حال أخرى والمعاند يرى أمثاله في نفسه وفي كل إنسان على وجه الأرض.

ولقد نبه الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى بعد تفسيره للآيات السابقة إلى معنى لطيف تضمنته الآيات فقال:

(وإن هذه الأطوار التي يمر بها الجنين ثم يمر بها الطفل بعد أن يرى النور لتشير إلى أن الإرادة المدبرة لهذه الأطوار ستدفع بالإنسان إلى حيث يبلغ كماله الممكن في دار الكمال, إذ أن الإنسان لا يبلغ كماله في حياة الأرض فهو يقف ثم يتراجع(لكي لا يعلم من بعد علم شيئا) فلا بد من دار أخرى يتم فيها تمام الإنسان.

فدلالة هذه الأطوار على البعث مزدوجة .. فهي تدل على البعث من ناحية أن القادر علي الإنشاء قادر على الإعادة وهي تدل على البعث لأن الإرادة المدبرة تكمل تطوير الإنسان في الدار وهكذا تلتقي نواميس الخلق والإعادة ونواميس الحياة والبعث ونواميس الحساب والجزاء, وتشهد كلها بوجود الخالق المدبر الذي ليس في وجوده جدال)

هذا وفي ذكر أطوار الإنسان وتكونه من النطفة والعلقة لفتة أخرى: ففيه توجيه أنظار المعاندين المنكرين للبعث وإحياء الموتى إلى أن هذا الفعل الرباني ماثل في كل واحد منهم وفي كل إنسان فإنه قبل أن يكون خلقا سويا كان نطفة من ماء مهين لا قيمة لها وعلقه ومضغه أي قطع من لحم لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت