مع القدرة والاستطاعة على ذلك وجهاد العصاة يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوفير سبل ووسائل التعلم للأمور الشرعية وجهاد النفس بتربيتها وحملها على الطاعة وطلب العلم النافع من منابعه الأصيلة وجهاد الأهل والأولاد بتربيتهم وتعليمهم وحملهم على طاعة الله عز وجل فإن الناس إذا ذكرت أمامهم كلمة الجهاد انصرفت أذهانهم إلى مجاهدة أولي الأمر من الحكام وأعوانهم واقتصر الأمر على ذلك وكان هذا هو معنى الجهاد عندهم بل ربما يجاهدون ولاة أمورهم ويوالون غيرهم من اليهود والنصارى والكفار وغيرهم هيهات هيهات بين هذا المعنى والمعنى الشرعي للجهاد فتنبه.
قلنا قبل ذلك إن المعروف ما جعله الشرع معروفا والمنكر ما جعله الشرع منكرا ولذلك كان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضوابط منها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه مسلم من حديث طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فَقَالَ قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ.
فمن هذه الضوابط
1 -معرفة المعروف ومعرفة المنكر لأن الأمر بالمعروف لا يكون إلا بمعرفة حدود المعروف فكيف يأمر الإنسان بما لا يعرف ويترتب عليه الأمر بالمنكر وهو يظن أنه معروف وذلك لعدم علمه ومعرفته بحدود المعروف وحدود المنكر لتنضبط الأمور
2 -مراعاة حال المأمور والمنهي وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي الحُسْن كما قال الله عز وجل {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فلا بد من معرفة سبيل ربك معرفة صحيحة وتامة حتى تكون الدعوة إليه صحيحة مقبولة والحكمة