أحدهما أولى بالصواب من صاحبه إلا بموافقته للدليل والبرهان من الشرع ولذلك كان الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال وذلك لأن العلماء كل منهم فرد من أفراد عباد الله تعالى مكلف بما كلف به غيره بل زادت تكاليفه عن غيره بالبيان للناس وكلما كان العالم علمه أكثر وشهرته أوسع كان تكليفه أكبر فقد قال الله عز وجل {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينُ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُّنَهُ لِلْناَّسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} وقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَي مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَاه لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعُنُهُمُ اللاعِنُونَ} فالعالم تزداد تكاليفه ويشتد حسابه بين عباد الله عز وجل بما آتاه الله من العلم الذي أمر بتبليغه بالحق.
وبالجملة فهذا أمر معلوم أن العلم وكثرته وبلوغ حامله إلى أعلى درجات العرفان لا يسقط عنه شيئا من التكاليف الشرعية والقاعدة في هذا كما قلنا كل يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كما قال الإمام مالك فليس لعالم وإن بلغ من العلم إلى أرفع رتبة وأعلى منزلة أن يكون قدره ومرتبته ومنزلته بحيث يقتدى به فيما خالف الكتاب والسنة أو أحدهما بل ما وقع منه من الخطأ بعد توفية الاجتهاد حقه يستحق به أجرا ولا يجوز لغيره أن يتابعه عليه وقد أوضحنا هذا في أول البحث بما لا يأتي التكرار له بمزيد فائدة.
إن مفهوم النصر والتمكين يحتاج منا إلى مراعاة القواعد الأصولية للشرع والعلم التام واليقين الجازم بأن الله بيده مقاليد الأمور يصرفها كيف يشاء وأن الإنسان ليس له من الأمر شيء ولكن ما عليه إلا أن يستخدم الأسباب المشروعة التي خلقها الله سبحانه وتعالى وأعطاها له فيكون الهدف الحقيقي من سعيه مرضاة الله عز وجل ولذلك كان هذا المفهوم النصر والتمكين الذي أخبر الله عز وجل به في قوله تعالى {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئَا} [سورة النور]