فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 510

وبمثل هذه الحجة البالغة أجاب سبحانه على هؤلاء المتذرعين بقدر الله في مواطن أخرى من القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قالوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} {28} [الأعراف:28]

والواقع أن هذا الأسلوب القرآني في الرد على هؤلاء وأمثالهم جاء ليصحح للناس منهجهم في الفكر والنظر ويبين لهم أن المطلوب منهم هو تنفيذ أوامره سبحانه واجتناب نواهيه وليس المطلوب أن يبحثوا عن غيبه المستور ليكيفوا أنفسهم على حسبه

فيا أخي المسلم أنت مطالب قبل الفعل بطاعة الله وعدم معصيته وبعد الفعل فإن أطعت الله فعليك شكره إذ هداك وإن عصيته فأنت مخاطب بوجوب التوبة والرجوع إليه ثم تكل الأمر إليه وتستيقن بعدله وحكمته وأن تكره المعصية قبل وقوعك فيها ليصدك ذلك عنها وبعد وقوعها ليدفعك ذلك إلى التوبة إلى الله تعالى ولتعلم أنه ليس في كراهيتك للمعصية كراهة قدر الله وإنما أنت مطالب بكره ما يكره الله وحب ما يحب وأن توافق ربك في رضاه وسخطه فترضى بما رضي به وتسخط مما سخط الله منه ولتعلم أيضا أن الله لا يحب الكفر ولا الكافرين ولا يرضاه لعباده ولا يحب أن يعصى ولا يرضى ذلك لعبادة فقد قال: سبحانه {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} {الزمر:7}

ذلك ما يحتاج إليه المؤمن في القضاء والقدر فيكفيه أن يعلم معناه ودرجاته وأن يؤمن به وأن الله عليم بكل شيء وأن الله خالق كل شيء وما لم يشأ لم يكن وأنه عادل لا يظلم أحدا وأنه حكيم منزه عن العبث ولا يحتاج هذا الموضع إلى أكثر من ذلك وما علم الله حاجتنا إليه بينه لنا وما طواه عنا وأخفاه لا يجوز لنا أن نتكلف البحث عنه فنختلف ونهلك فإن عقولنا قاصرة ومحدودة خلقها الله للإسهام في عمارة الدنيا وليست وظيفتها اكتشاف الغيب الذي استأثر به الله خالقها وليس أمامنا إلا التسليم والإيمان بما يعرفنا الله عليه من أمور الغيب وقضاياه ومن هذه القضايا: الصلة بين خلق الله للأفعال وإرادة الإنسان وفعله لهذه الأفعال.

قال: البربهاري رحمه الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت