والكلام والجدل والخصومة في القدر (خاصة) منهي عنه عند جميع الفرق لأن القدر سر الله , ونهي الرب جل اسمه الأنبياء عن الكلام في القدر, ونهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخصومة في القدر (وكرهه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون) وكرهه العلماء وأهل الورع , ونهوا عن الجدال في القدر, فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان, واعتقاد ما قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جملة الأشياء, واسكت عما سوى ذلك.
وليست هذه هي القضية الوحيدة التي لا يدرك العقل كنهها فصفات الله عز وجل ندرك آثارها ولا ندرك كيفياتها شأنها شأن الذات الألهية التي لا يستطيع العقل البشري إدراكها
ولهذا نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخوض في القدر والعمق فيه فقد أخرج الإمام أحمد فقال:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقَدَرِ قال: وَكَأَنَّمَا تَفَقَّأَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنَ الْغَضَبِ قال: فَقال: لَهُمْ مَا لَكُمْ تَضْرِبُونَ كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ بِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قال: فَمَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِمَجْلِسٍ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ أَشْهَدْهُ بِمَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَنِّي لَمْ أَشْهَدْهُ * قال: ذلك عندما رأى أناسا يتكلمون في القدر.
وما أحسن ما قال: ه الإمام الطحاوي رحمه الله (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة فإن الله تعالى طوى علم القدر عن الأنام ونهاهم عن مرامه كما قال: الله تعالى {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] فمن سأل: لم فعل؟ فقد هلك
أي يومي من الموت أفر ... يوم لا قدر أو يوم قدر
يوم لا قدر لا أرهبه ... ومن القدور لا ينجو الحذر
إن النفس المؤمنة بقدر الله سبحانه لتنعم بنعمة أخرى لا تعدلها نعم الدنيا كلها أنها نعمة الرضا في كل حال ذلك أن هذه النفس ترى أن المقادير تجري بأمر الله عز وجل ومشيئته وتدبيره وأن الأحداث تنبثق بحكمة الله وإرادته وهو يعلم والناس لا يعلمون كما قال: تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ