اجتناب المعاصي كلها خشية أن يكون بعض ما يرتكبه العبد من الكبائر ومع هذا فقد ذهب جماهير السلف والخلف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر ولا شك أن في كل معصية مخالفة لله تعالى في أمره أو نهيه ومخالفة الله عز وجل قبيحة جدا بالنسبة لجلال الله تعالى ولكن بعض المعاصي أخف من بعض.
هذا وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف الكبيرة وتمييزها عن الصغيرة ولكن كثيرا منهم يرجح أن الكبيرة هي كل معصية يترتب عليها حد أو توعد عليها بالنار أو اللعن أو الغضب وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن البصري رحمه الله تعالى وقال: أبو حامد الغزالي رحمه الله: أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذر وندم كالمتهاون بإرتكابها والمتجرئ عليها اعتياديا فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة وما يحمل على فلتات اللسان والنفس وفترة مراقبة التقوى ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة وليس بكبيرة.
ومن المستحسن في هذا المقام أن نثبت للأخ القارئ كلاما حسنا معقولا في التمييز بين الصغيرة والكبيرة للإمام الشيخ العز بن عبدالسلام في كتابه (القواعد) فقد قال:
(إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي من الكبائر فمن شتم الرب أو الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو استهان بالرسل أو كذب واحد منهم أو ألقى المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر ولم يصرح الشرع بأنها كبيرة وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها أو مسلما لمن يقتله فلا شك أن مفسدة ذلك من أعظم مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته ويسبون حرمهم وأطفالهم ويغتنمون أموالهم ويزنون بنسائهم ويخربون ديارهم فإن تسببه في هذه المفاسد أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر ثم قال: (وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأن قال: كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن فهو من الكبائر ... فقتل المؤمن كبيرة لأنه أقترن به الوعيد