فهرس الكتاب
أَلاَ تَفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الآَيَاتِ أَخِي الْمُسْلِم أَنَّ الاخْتِلاَفَ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ حَقًا أَلاَ تَرَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} أَيْ أَنَّ الْمَرْحُومِينَ مِنْ قِبَلِ اللهِ هُمُ الَّذِينَ لاَ يَخْتَلِفُونَ فَكَيْفَ يَكُونُ الاخْتِلاَفُ رَحْمَةً وَتَرَى بَعْضَهُمْ بِجَهْلِهِ يُنْسِبُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا وَهُوَ قَوْلُهُ (( اخْتِلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ ) )وَهَذَا بَاطِلٌ لاَ تَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَإِذَا كَانَ الاخْتِلاَفُ رَحْمَةً فَكَيْفَ يَكُونُ الاتِّفَاقُ وَمَاذَا يَقُولُ هَؤُلاَءِ عَنْ الاتِّفَاقِ وَلِذَلِكَ يَقُولُ نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَمْرٍو السُّلَمِيِّ وَحُجْرِ بنِ حُجْرٍ قَالاَ أَتَيْنَا العِرْبَاضَ بنَ سَارِيَةَ وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} فَسَلَّمْنَا وَقُلْنَا أَتَيْنَاكَ زَائِرِينَ وَعَائِدِينَ وَمُقْتَبِسِينَ فَقَالَ العِرْبَاضُ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ (( أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيَّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتُ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَهٌ ) )أبو داود/ 4607
وَبَعْدَ أَنْ عَلِمْنَا أَنَّ الاخْتِلاَفَ شَرٌّ وَالْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فِي أَنْ نَتَّفِقَ عَلَى السَّبِيلِ وَالطَّرِيقِ الَّذِي نَتَّبِعُهُ فَيَسْتَرِيحَ الْجَمِيعُ وَيَنْتَهِىَ الشَّقَاقُ وَالنِّزَاعُ وَالْفُرْقَةُ مِصْدَاقًا لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِنْهَا} ال عمران/103
وَكَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلْتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ال عمران 105,104
أَلاَ نَفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الآَيَاتِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ النَّجَاةَ فِي التَّمَسُكِ بِمَا أَوْحَى اللهُ بِهِ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - دُونَ أَنْ نُنَاقِشَ فِيهِ أَوْ نُعَدِّلَ عَلَيْهِ أَوْ نَظُنَّ أَنَّ مَصْلَحَةَ النَّاسِ فِي غَيْرِ أَمْرِهِ.