وبعد عذاب القبر يجب أن نؤمن بما أخبر به الصادق عليه الصلاة والسلام من عذاب القبر ونعيمه وقد تظاهرت على هذا الأمر دلائل من الكتاب والسنة قال: تعالى {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ 45} النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ {46} (غافر: 46،45)
فقد توعد الله سبحانه آل فرعون بنوعين من العذاب:
الأول: أشار إليه بقوله تعالى (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)
والثاني: أشار إليه بقوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) وقد عطف الثاني على الأول والعطف يقتضي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه فلابد أن يكون المشار إليه أولا غير الثاني فإذا كان العذاب الثاني بعد قيام الساعة فلابد أن يكون الأول واقعا بهم ما بين الموت والنشور وهو عذاب القبر وقد أشار الله عز وجل إلى عذاب يكون بعد الموت في قوله تعالى
{وَلَو تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيْهِم أَخْرِجُوا أَنْفَسَكُمْ الْيَومَ تُجْزَونَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْر الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَن آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام 93] . فقد قال: ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية. هذا عند الموت والبسط الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم قال: ابن حجر ويشهد له قوله تعالى في سورة القتال {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} {محمد:27} ثم قال: هذا وإن كان قبل الدفن فهو من جملة العذاب الواقع قبل يوم القيامة وإنما أضيف العذاب إلى القبر لكون معظمه يقع فيه
وأما الأحاديث الصحيحة المثبتة لعذاب القبر فكثيرة جدا تبلغ حد التواتر يقول النووي في شرحه لصحيح مسلم: (اعلم ان مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر وقد تظاهرت عليه ادلة الكتاب والسنة قال: تعالى(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) وتظاهرت به أدلة السنة فيما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية جماعة من الصحابة في مواطن كثيرة ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع وجب قبوله واعتقاده.
وقد أورد الإمام مسلم في صحيحه أحاديث كثيرة في إثبات عذاب القبر وسماع النبي - صلى الله عليه وسلم - من يعذب فيه وسماع الموتى قرع نعال دافنيهم عند انصرافهم عنهم بعد دفنهم وكلامه - صلى الله عليه وسلم - لأهل القليب