وقوله تعالى {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن:11] فيقول هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. ويقول ابن عباس رضي الله عنه يهدي قلبه يعني اليقين فيعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه.
ولقد ارتفعت نفوس الصحابة رضوان الله عليهم في ظلال هذا التصور الإيماني وسمت أرواحهم وأرهفت ضمائرهم حتى استوت في نظرهم السراء والضراء وتماثل لديهم الشكر والصبر كما قال: عمر رضي الله عنه (لو كان الصبر والشكر ما باليت أيهما أركب) ويقول أبو محمد الحريري (الصبر أن لا يفرق بين النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما)
وقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه مائة ألف دينار هل يكون زاهدا؟ قال: نعم بشرط أن لا يفرح إذ زادت ولا يحزن إذ نقصت وقال: بعض السلف الزاهد من لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره.
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما (أما بعد, فإن الخير كله في الرضا, فإن استطعت أن ترضى, وإلا فاصبر) وقال: بن عطاء: (الرضا سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل) .
هذا والصبر واجب باتفاق العلماء, وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله وقيل عن الرضا إنه واجب, وقيل هو مستحب, وقد اجمع العلماء على أن حكمه لا يقل عن الإستحباب.
وأساس الرضا الإيمان بقدر الله عز وجل, كما تقدم واستشعار لطف الله بعباده قال: عبد الواحد بن زيد: (الرضا باب الله الأعظم, وجنة الدنيا, ومستراح العابدين, وأهل الرضا , يلاحظون ثواب المبتلي, وخيرته لعبده في البلاء وأنه غير مهتم في قضائه, وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء, فينسيهم ألم المقضي به, وتارة يلاحظون عظمة المبتلي بجلاله وكماله, فيستغرقون في مشاهدة ذلك حتى أنهم لا يشعرون بالألم, بل ربما يتلذذون بما أصابهم لملاحظة صدوره من حبيبهم)
ولتعلم أيها الأخ القارئ أن الرضا والصبر اللذين يثمرهما الإيمان بالقدر إنما هما الرضا بالمقدور من المصائب والنوائب, والصبر على طاعة الله تعالى, والصبر عن معصيته, وعلى أنواع المكاره وليس المقصود الرضا بالكفر والعصيان والفسوق عن أمر الله, ولا الصبر على الذل والضيم, فإن