فالله: بين، والرسول: وضح وبلغ، والسلف: فصل في الحكم وسلك سلوكا عمليا وطبق عقيدة ومعاملة وأخلاقا واقتصادا وسياسة واجتماعا فأصبح عندنا مبادئ عامة ندور حولها ولا نخرج عنها وهي دائرة الحلال والحرام فلم يعد لأحد في أصول الدين رأي ولا كلمة إلا العمل والاتباع تختلف الوسائل ولكن الأحكام ثابتة مع اعتبار القرائن.
ملاحظة وتنبيه:
كل هذا فيما يخص أمور الدين أما أمور الدنيا التي لا تعارض نصا شرعيا ثابتا فللناس أن يعملوا فيها الفكر واتخاذ ما شاءوا من السبل لتحصيل أكبر المنافع بالشرط المذكور آنفا [لا تعارض نصا شرعيا ثابتا]
وعلى هذا فحذار أن تتكلم كلمة أو تعتقد عقيدة أو تتعبد عبادة أو تخترع طريقة أو تسلك سبيلا أو تتصرف تصرفا إلا وعليه نور وشاهد من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفعل سلف هذه الأمة كي تحفظ لطريقك استقامته ولنفسك سلامتها وإن الله لن يسألك: لِمَ لَمْ تبتدع؟ ولكنه سيسألك لِمَ لَمْ تتبع؟
وهذا هو معنى قول السلف: (اقتصاد في سبيل وسنة خير من اجتهاد في بدعة) .
وإياك والاستحسان والتزيين والمصلحة المخالفة للنص وتقليد الرجال وإن وثقت بهم فهذه من أوسع أبوب البدع وبها ضلت الطوائف والأمم.
ولقد مرض الإمام أحمد وبشر بن الحارث فجاء الطبيب فدخل على بشر فسأله عما يجد فقال: (أحمد الله إليك أجد كذا وكذا) .
ودخل على أحمد فسأله عما يجد فقال: (بخير) .
فقال: الطبيب للإمام: (إن أخاك بشر إذا سألته بدأ بالحمد وأنت لا تفعل) .
فقال: أحمد للطبيب: (سله عمن أخذ هذا؟) فأخبره بالسند عن ابن سيرين أنه قال: (إذا حمد العبد بعد الشكوى لم تكن شكوى) فكان أحمد بعد ذلك يحمد الله ثم يذكر ما يجد. [مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي] .
فانظر كيف كان هؤلاء الأخيار حريصين على الاتباع مشفقين من الابتداع وخذ منهم عبرة وقدوة وإياك وأصحاب المصالح الذين لا يعرفون اتباعا ولا يغادرون ابتداعا!