لِّلْمُتَّقِينَ {48} وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ {49} [الحاقة] فيا أيها العاقل تدبر هذه الألفاظ التي وردت في الآيات إنما هي سيف قاطع وقول جامع مانع لا يتطرف إليه احتمال ولا تأويل لأنه محكم لا تشابه فيه فإذا كان ذلك في حق النبي الكريم فهل يكون ذلك مباح في حق من بعده أيا كان ولكن الله وضع هذا الضابط ليعلمنا أنه لا يلتزم به إلا المتقون فقال: الله تعالى {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} كما أن هذا المعنى أيضا يظهر من قول الله عز وجل {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ 65} بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ {66} [الزمر] فها هو القول لنبينا بل ولكل الأنبياء السابقين عليه {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فهل يباح ذلك لمن بعدهم أو دونهم فتدبر أيها العاقل إن شيءت أن تصل إلى الحق والله المستعان.
فها هم الذين وصفهم حديث أبي موسى كانوا في أول أمرهم يسبحون ويهللون ويكبرون وهذا ليس ممنوعا وإنما هو مشروع في أصله ولكن جدد هؤلاء هيئة لم تكن موجودة في عهد نبينا - صلى الله عليه وسلم - فجلسوا في حلق ومع كل حلقة رجل يقول سبحوا مائة وكبروا مائة فقال: لهم عبد الله ابن مسعود وهو من هو إما أنكم مفتتحوا باب ضلالة أو إنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد - صلى الله عليه وسلم - فهذا هو الجواب والحجة على كل مبتدع في أمر من أمور الدين سواء كان في عدد أو هيئة أو زمان أو مكان.
ثم يبين لنا راوي الحديث أن هؤلاء الذين بدؤا الإبتداع في الدين بالتسبيح والتحميد والتهليل بهيئة مختلفة عن الهيئة الشرعية وصلوا ببدعتهم إلى أن قاتلوا أهل السنة يوم النهروان وهي الموقعة التي قاتل فيها علي رضي الله عنه الخوارج فانقلب الأمر من تسبيح إلى تذبيح وهكذا كل المبتدعة فالصوفية بدؤا بدعتهم بالصلاة على النبي وحب آل البيت حتى عبدوا غير الله عز وجل من أصحاب القبور وغير ذلك والمعتزلة بدؤا بدعتهم بإثبات دور العقل في الدين وتمجيده حتى وصلوا إلى إنكار النصوص الشرعية كالشفاعة وعذاب القبر.
وهذا دليل آخر عملى من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -
روى البخاري في صحيحه بسنده