وكذلك الشرائع والأوامر والنواهي كلها على وفق الميزان الصحيح، لأنها تضمنت الأمر بكل خير نافع والنهي عن كل شر ضار، فما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به، ولا أخبر بشيء فجاء على خلاف المحسوس المعقول.
وما من علم صحيح يوجد في أي أمة كانت إلا وقد دعا إليه وأرشد، ونبه الخلق على سلوك طريقه، وما من عمل صالح نافع إلا وقد أمر به وأرشد إليه، وكلما ازدادت الجماعات أو الأفراد في القيام به علت درجتهم وارتقوا في درج الكمال.
ولقد خضعت أرباب العقول لهدايته وشرائعه وإصلاحه الكامل، ولقد حاول أعداؤه الانتقاد على بعض أفراد الشرائع لفرط العداوة والهوى والتعصب، فبيّن بالبراهين الواضحة بطلان انتقاداتهم، وأن الشرع مطلقاً من دون قيد وشرط قد مشى على الصراط المستقيم أصولاً وفروعاً، وأن كل أمر خلصت مصلحته أو كانت مصلحته أرجح من مضرته فقد أمر به، وما خلصت مفسدته أو كانت المفسدة راجحة على المصلحة إلا وقد نهى عنه. واعتبر هذا الأصل في العبادات والمعاملات والجنايات وغيرها تجدها شاهدة لهذا الأصل الشرعي المؤيد بالبراهين.
ومن محاسن هذا الدين ما أمر به من أداء الحقوق للأهل والأولاد والمماليك، وحقوق الراعي والرعية بعضهم لبعض، فكلها مطابقة للعدل والصلاح والإصلاح، وقد نبهنا على بعض هذا الحكم في كتابنا السؤال والجواب [1] .
وكذلك المواريث وتفاصيلها الجميلة والمعاملات الواسعة بين الناس كلها مبنية على العدل والمصلحة وتمام الانتظام المشتمل على مصالح المعاش والمعاد.
ومن محاسنه ما شرعه من الحدود على الجرائم وتنوعها وصفاتها بحسب الجرائم، لما يحصل بها من تمام الردع والزجر على أكمل وجه وأعدله.
(1) - سؤال وجواب في أهم المهمات ص (18) ، مطبعة دمشق 1372هـ.