الصحيح حيث أن جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ومن بعدهم قالوا: إذا دخل المسلم إلى المسجد فوجد الإمام راكعاً فشاركه في الركوع فقد أدرك هذه الركعة مع أنه لم يقرأ فاتحة الكتاب وهذا له أدلته ولست الآن بصددها لما أشرت أني ذكرت ذلك في مجلس آخر فماذا يكون حكم هذا الحديث بالنسبة لعمومه؟ هل عمومه لا يزال قائما أم قد دخله التخصيص؟؟ الجواب بالإيجاب صار معنى الحديث لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب إلا لمن أدرك الإمام راكعاً ولم يتمكن من قراءة الفاتحة فسقط وجوب قراءة الفاتحة عنه وأدرك الركعة بإدراكه للركوع وراء الإمام، هذا العموم (( لا صلاة ) )أصبح مقيَّداً بمن أدرك الركوع فلم يبق هذا العموم شاملا.
إذا لاحظنا هذه النقطة فقط حينئذٍ ننصبُ الخلاف بين الآية وبين الحديث على الصورة التالية، لا خلاف بين الآية والحديث لأنما ينبعان من مشكاةٍ واحدة وإنما الخلاف بين العمومين عموم الآية وعموم الحديث.
فالآن إذا تعارض عمومان فكيف التوفيق بينهما؟ لقد ذكر الحافظ العراقي في شرحه لمقدمة المصطلح بأن العلماء قد ذكروا أكثر من مائة وجه من وجوه التوفيق بين الأحاديث المختلفة ومن تلطك الوجوه إذا تعارض عامَّان أحدهما عامٌ مطلق والآخر عام مقيَّد سُلِّط العام المطلق على العام القيَّد لأن العام المطلق في دلالته بعمومه من عموم المقيَّد.
ملاحظة هذه القاعدة يفتح لطلَّاب العلم باباً من العلم رائع جداً، من ذلك ما طبَّقه شيخ الإسلام بن تيمية-وما رأيت ذلك لغيره- وإن كان الحافظ العراقي قد أشار إلى ذلك ولعله اقتسبه من بن تيمية رحمه الله، الآن نعرض لكم عمومان من أحاديث الرسول متعارضان وكثير ما يُشكل الأمر على بعض أهل العلم فضلاً عن طلَّاب العلم، قال عليه الصلاة والسلام: (( لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ) )هذا نصٌ عام، قال عليه السلام (( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصليَ ركعتين ) )عمومان تعارضا، ذاك يقول لا تصلي وهذا يقول لا تجلس