وقد أظهر الباري تعالى في هذه الأزمنة المتأخرة من آياته الكونية ومن العلوم الكونية والاختراعات الباهرة ما هو من أكبر الأدلة على ما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب، فلقد كان الكفار الملحدون ينكرون ما أخبر الله به ورسوله من الأمور التي يستبعدونها على قُدَر المخلوقين؛ فأنكروا البعث بعدما كانوا تراباً ورفاتاً واستبعدوا الإسراء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة، واستبعدوا تنادي أهل الجنة وأهل النار مع البعد السحيق، واستبعدوا كثيراً من أمور الغيب استناداً على مجرد عقولهم الفاسدة، ولم يزل الملحدون يستبعدون وينكرون كل ما لم يشاهدوه، فأراهم الله في هذه الأوقات ما يكذبهم وينقض استبعاداتهم مما شاهدوه في الآفاق وفي أنفسهم [1] .
فإذا كان المخلوق الناقص من كل وجه ضعيف العلم ضعيف الإرادة ضعيف القدرة ضعيف العمل قد علمه الله ما لم يكن يعلم من علوم الطبيعة والمادة، حتى تمكن الناس من الطيران في الهواء والغوص في لجج البحار، والتخاطب من مشارق الأرض ومغاربها، وغير ذلك من المخترعات الحديثة، فكيف بمن هو على كل
شيء قدير الذي انقادت لقدرته عناصر العالم العلوي والسفلي
ونفذت مشيئته في جميع الكائنات، وأحاط عمله بكل شيء،
وأظهر البراهين القاطعة والأدلة الواضحة على صدق ما أخبر به، وأخبرت به رسله من أدلة عقلية ونقلية وفطرية وكونية؟
فبعداً للمكذبين {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ *يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *} [الجاثية: 7 ـ 8] .
(1) - دليل ذلك: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *} [فصلت: 53] .