قال: يا أمير المؤمنين، أما إذا أمنت بادرة غضبك فأطلق لساني بما خرست به الألسن عن عظتك، تأدية لحق الله وحق رعايته وفي رواية وحق إمامتك.
يا أمير المؤمنين إنه قد تكنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لن يألوا للأمانة تضييعًا، والأمة عسفًا، وللقرى خسفًا، وأنت مسؤول عما اجترحوا، وليسوا بمسؤولين لما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبنًا من باع آخرته بدنيا غيره. فقال له سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد نصحت، وأرجو الله أن يعين على ما تقلدنا وفي رواية فقال له: أما أنت فقد سللت لسانك، فهو أقطع من سيفك. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين: لك لا عليك.
له منزلة عند ملوكهم، في مال له بالحجاز، فخاصم الرجل الوكلاء إلى الوالي فمال عليه لهم. فقال: لا أرضى إلا بوالي مكة والمدينة، فصاروا إليه فكتب الأموي إلى الوالي الذي ارتفعوا إليه، فمال عليه لهم، فقال الرجل: لا أرضى إلا بأمير المؤمنين. فخرج إلى سليمان بن عبد الملك، فلم يلق بدمشق أحدًا من جلساء سليمان، ولا عظيمًا من عظماء دمشق إلا مال إلى الأموي عليه. فطلب الوصول إلى سليمان، فتعذر عليه ذلك، فدل على خادم خصي أنه لا يوصله إلى سليمان غيره، ولا يوصله حتى يرغبه. فقال:
أجعل له مئتي دينار على أن يوصلني إليه خاليًا. فاجتمعوا، وقرر له ذلك، إن قضيت حاجته أو لم تقض. فأمر الخادم الرجل بلزوم الباب، فلزمه. فدعا سليمان الخصي يومًا، وأمره أن يأتيه بوضوء، فأتاه به، فبينا الخادم يصب على سليمان إذ ملأ سليمان يده فضرب به وجه الخادم، فعرف الخادم منه طيب نفس فقال: أما هذا فتحسنه، وأما أن تعطيني أو تدع من يعطيني فلا. فقال سليمان: هل منعت من أحدًا؟ قال: هذا رجل ببابك، وقد جعل لي مئتي دينار على أن يكلمك