قدم نجاح دمشق في صحبة المتوكل، وكان يتولى ديوان التوقيع له.
كان رجل من دهاة الكتاب وفضلائهم ولي بعض النواحي، وكان عاملًا عليها، فطولب بالحساب فدافع به حتى انقرضت دولة المأمون والمعتصم والمتوكل والواثق، وقد ولي في هذه المدة أحد عشر وزيرًا، يطالب في كل وقت ويدافع ويصانع وينسحب ويتحيل إلى أن ولي نجاح بن سلمة الوزارة، فوقع ذكره إليه ذات يوم، فسأله عنه، فقيل له: أيها الوزير، هذا رجل يطلب فلا يقدر عليه، فنظر نجاح إلى رجل بين يديه، فقال له: احلف بحق رأسي أنك تطلب هذا الرجل حيث كان، وأنك إذا رأيته لم تتركه يأكل خبزًا ولا يصلي ولا يعمل شيئًا دون إحضاره الديوان؛ - وكان الرجل يعرف بمحمد بن مسلمة الواسطي -. فحلف برأسه أن يفعل جميع ما أمر به الوزير.
ومضى في طلبه، وكان جزلًا متحركًا ذا حيلة ولطف، فلم يزل يتوصل إلى أن وقع في يديه، وكان واسع الحيلة، فبذل له مالًا كثيرًا فامتنع عليه فلما لم ير له فرجًا عنده، صار معه إلى دار الوزير، فصادفه قد ركب إلى دار السلطان، فجلس في بعض المواضع ينتظر رجوعه.
وكان محمد بن مسلمة صفراويًا لا يصبر على الجوع، فجاع جوعًا شديدًا كاد أن يتلف منه، فقال للرجل: يا هذا، أنا والله جائه، ومنزلي قريب، فصر معي لنأكل خبزًا ونرجع إلى حين يعود الوزير، فقال: لا، قال: فاشتر لي شيئًا آكله، فما معي فضة، فقال له: ما معي فضة أيضًا، قال: اقترض لي درهمًا بدينار، فقال: لا أفعل، كل ذلك والرجل يفزع من اتساع تحيله، وخوف بعد حصوله أن يفلت منه.