المكندس وجبل الورس باليمن وفدك وقطائع اليمامة، فخرج من ذلك كله ورده إلى المسلمين إلا أنه ترك عينًا بالسويداء كانت تأتيه غلتها كل سنة مئة وخمسين دينارًا، وأقل وأكثر، فذكر له يومًا مزاحم أن له نفقة أهله قد فنيت. فقال: حتى تأتي غلتنا، فقدم قيمه بغلته وبجراب صيحاني، وبجراب تمر عجوة، فنثره بين يديه، وسمع أهله بذلك، فأرسلوا ابنًا له صغيرًا فحفن له من التمر، فانصرف ولم ينشب أن سمعنا بكاءه، ويضرب، ثم أقبل يؤم الدنانير فقال: أمسكوا يديه. ورفع يديه فقال: اللهم، بغضها إليه كما حببتها إلى موسى بن نصير، ثم قال: خلوه. فكأنما يرى به عقارب. ثم قال: انظروا الشيخ الجزري المكفوف الذي يغدو إلى المسجد بالأسحار فخذوا له ثمن قائد لا كبير فيقهره ولا صغير فيضعف عنه. ففعلوا. ثم قال لمزاحم: شأنك بما بقي فأنفقه على أهلك.
قال عمر بن عبد العزيز لآذنه: لا يدخلن علي اليوم إلا مرواني، فلما اجتمعوا عنده، حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم يا بني مروان قد أعطيتم في الدنيا حظًا وشرفًا وأموالًا، إني لأحسب شطر مال هذه الأمة أو ثلثه في أيديكم، فردوا ما في أيديكم من هذا المال. فسكتوا. قال: ألا تجيبوني؟ فسكتوا. قال: ألا تجيبوني؟ فتكلم رجل من القوم قال: لا والله لا يكون ذلك أبدًا حتى يحال بين رؤوسنا وأجسادنا، والله لا نكفر آباءنا ولا نفقر أبناءنا. قال عمر: أما والله لولا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا الحق له لأضرعت خدودكم، قوموا عني.