القهر، والنعم الدُّثر. قال: كلا، أولئك أهل الشِّرات، علاج الكَرَات، شعر الرقاب وغبش الكلاب. قال: فأنت إذن من قاتلي الملوك الجبابر، وأحلاف السيوف البواتر: من عبس أو مرّة. قال: لست منهم، لأنا منعناهم هاربين، وقتلناهم غادرين. قال: فأنت إذن من أهل الراية الحمراء، والقبة القتراء سُليم بن منصور. قال: كلا. ألهي أولئك أكل الحصى ورضخ النوى. قال: فأنت إذن من أوغاد اليمانين، الذين لايعقلون شيئًا. قال: أنا ابن ذي فائش. مهلًا يا معاوية، فإن أولئك كانوا للعرب قادة، وللناس سادة، ملكوا أهل الأرض طوعًا، وأجبروهم كرهًا، حتى دانت لهم الدنيا بما فيها، وكانوا الأرباب وأنتم الأذناب، وكانوا الملوك وأنتم السوقة، حتى دعاهم خير البرية بالفضل والتحية محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعزّروه أيَّما تعزير، وشمّروا حوله أيّما تشمير، وشهروا دونه السيوف، وجهزوا الألوف بعد الألوف، وجادوا له بالأموال والنفوس، وضربوا معدًّا حتى دخلوا في الإسلام كرهًا، وقتلوا قريشًا يوم بدر، فلم يطلبوهم بثأر، فأصبحت يا معاوية، تحمل ذلك علينا حقدًا، وتشتمنا عليه عمدًا. وتقذف بنا في لجج البحار، وتكفّ شرّك عن بني نزار. ونحن منعناك يوم صفين، ونصرناك على الأنصار والمهاجرين، وآثرناك على الإمام التقي الوصي الوفي، ابن عم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فبنا علَوْت المنابر، ولولا نحن لم تعلُها، وبنا دانت لك المعاشر، ولولا نحن لم تَدِن لك، فأنكرت منا ما عزمت، وجهلت منا ما علمت. فلولا أنّا كما وصفت، وأحلامنا كما ذكرت لمنعناك العهد، ولشددنا لغيرِك العقد، ولقرعت قرعًا تتطأطأ منه وتتقبض.
فغاظ معاوية ما كان من كلامه، وضاق به ذرعه، فلم يتمالك أن قال: اضربوا عنقه. فلم يبق في مجلسه يمانٍ إلا قام سالًا سيفه، ولا مضريّ إلا عاضًا على شفته، ودنا من معاوية فقام زرعة بن عُفير بن سيف اليزني - وقيل: عُفير بن زرعة بن عامر بن سيف، وهكذا هو - فقال: أما والله يا معاوية، إنا لنراك تكظم الغيظ من غيرنا على القول الفظيع الكثير، وتسفظع منا اليسير - يريد ما يسمع من قريش - وذلك والله أنا لم نطعن عليك في أمرك، فكأنك بالحرب قد رفعناها إليك، فستعلم أن رجالنا ضراغم، وأن