فلما قدم عبد الله بن حنظلة المدينة أتاه الناس فقالوا: ما وراءك؟ فقال: أتيتكم من عند رجل، والله لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم قالوا: فإنه بلغنا أنه أكرمك وأعطاك، قال: قد فعل، وما قبلت ذلك منه إلا لأتقوى به عليه، وحضض الناس فبايعوه.
قال: فخرج أهل المدينة بجموع وهيئة لم ير مثلها، فلما رآهم أهل الشام هابوهم وكرهوا قتالهم، فأمر مسلم بن عقبة بسرير فوضع بين الصفين ثم أمر مناديه: قاتلوا عني أو دعوا، فشد الناس في قتالهم، فسمعوا التكبير خلفهم في جوف المدينة، وأقحم عليه بنو حارثة أهل الشام وهم على الحرة، فانهزم الناس وعبد الله بن حنظلة متساند إلى بعض بنيه يغط نومًا، فنبهه ابنه. فلما فتح عينيه فرأى ما صنع أمر أكبر بنيه فقاتل حتى قتل، فلم يزل يقدمهم واحدًا فواحدًا حتى أتى على آخرهم، ثم كسر جفن سيفه فقاتل حتى قتل وهو يقول:"كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة".
حدث جماعة قالوا: لما وثب أهل المدينة ليالي الحرة، فأخرجوا بني أمية عن المدينة، وأظهروا عيب يزيد بن معاوية وخلافه، أجمعوا على عبد الله بن حنظلة، فأسندوا أمرهم إليه فبايعهم على الموت وقال: يا قوم، اتقوا الله وحده لا شريك له، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء. إن رجلًا ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاءً حسنًا، فتواثب الناس يومئذ يبايعون من كل النواحي، وما كان لعبد الله بن حنظلة تلك الليالي مبيت إلا المسجد، وما كان يزيد على شربة من سويق يفطر عليها إلى مثلها من الغد يؤتى بها في المسجد، يصوم الدهر، وما رئي رافعًا رأسه إلى السماء إخباتًا. فلنا دنا أهل الشام من وادي القرى صلى عبد الله بن حنظلة بالناس الظهر، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنما خرجتمغضبًا لدينكم، فأبلوا بلاءً حسنًا ليوجب لكم به مغفرته، ويحل به عليكم رضوانه.