عن شيخ من أهل قنّسرين: انه غزا في صائفة كان يقدمها عمرو بن الوضّاح في نحو من عشرين ألفًا، فوغل في داخل أرض الرّوم، فغنم وسبى سبيًا كثيرًا، وكنت فيمن غزا معه؛ فأقبل بتلك الغنائم يريد عقبة الرّكاب يتلقّى جماعة الصّائفة، فلمّا كان عقبة الرّكاب على مرحلة أو مرحلتين سمع منشدًا ينشد: ألا من دلّ على بغلة كذا يتبعها إلفها برذون كذا، فدعا به عمرو، فقال: ما تقول: فأخبره بما ينشد. فقال: إنّما البغال تتبع إلفها من البراذين، ولا نعرف برذونًا يتبع البغال، فما أنت؟ ومن أين أنت؟ ومن بعث بك؟ قال: فذهب ينسب فلجلج، وعرف أنه لجلج فقال: ليخلني الأمير، فأخلاه، فأخبره أنه عين للرّوم، وأنه خلّف أهل الرّساتيق والكور قد حشروا إلى عقبة الرّكاب ليأخذوا عليك بها، ويستنقذوا ما غنمت، ماذا لي إن نصحتك نصيحةً تغنم بها جماعتهم، وتجيزها بإذن الله لمن معك وما معك؟. قال: لك الأمان، وغير ذلك؟ قال: إن الذين حشروا إليها كرهًا، وقد أقاموا وأبطأت عليهم، فالرّأي لك أن يؤذّن مؤذّنك في هذه السّاعة أن يصبح النّاس على ظهر نفير ليقيما ثم تصبح غاديتهم يومًا أو يومين وتبلغهم ليوافوك عند إقبالك من العقبة؛ فإذا ذهب الخير إليهم بذلك وسرت يومك رحلوا عنها أو أكثرهم، عطفت عليهم فأخذتها بإذن الله، وقويت على من بقي منهم.
قال الشيخ: نفعل ذلك. ثم عطفت راجعًا، فوافى الأمر على نحو مّما ذكر من رفض عامّتهم، وقلّة من ثبت عليها، فقاتلوه قتالًا شديدًا، فنصره الله، وكان بيننا وبينهم شبه الملحمة، وأجاز بما كان سبا وغنم حتى لحقنا أرض الرّوم.
قال الوليد: كان ذلك سنة أربع عشرة ومئة، وأمير الصّائفة معاوية بن هشام.