وكان عبد الله بن الزبير قد باع ماله بالغابة التي تعرف بالسقاية من معاوية بمئة ألف درهم وقسمها في بني أسد وتميم فاشترى مجاح لعروة من ثمنه بألوف دنانير وأعطاه عروة؛ وفي مجاح يقول محمد بن عروة بن الزبير: من الخفيف
لعن الله بطن لقفٍ مسيلًا ... ومجاحًا فلا أحب مجاحا
لقيت ناقتي به وبلقفٍ ... بلدًا مجدبًا وأرضًا شحاحا
قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد بن عروة فدخل محمد بن عروة دار الدواب فضربته دابة فخر ميتًا، ووقعت في رجل عروة الأكلة ولم يدع تلك الليلة ورده فقال له الوليد: اقطعها، قال: لا، فترقت إلى ساقه فقال له الوليد: اقطعها وإلا أفسدت عليك جسدك؛ فقطعت بالمنشار وهو شيخ كبير فلم يمسكه أحد فقال:"لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا".
ولما سقط محمد في اسطبل الدواب وضربته بقوائمها حتى قتلته أتى عروة رجلٌ يعزيه فقال له عروة: إن كنت تعزيني برجلي فقد احتسبتها؛ فقال: لا، بل أعزيك بمحمد؛ فقال: وما له؟ فأخبره الخبر فقال: من الطويل
وكنت إذا الأيام أحدثن نكبةً ... أقول: شوىً ما لم يصبن صميمي
اللهم أخذت عضوًا وتركت أعضاء، وأخذت ابنًا وتركت أبناء فأيمنك، إن كنت أخذت لقد أبقيت وإن كنت ابتليت لقد أعفيت؛ فلما قدم المدينة نزل قصره بالعقيق فأتاه ابن المنكدر فقال: كيف كنت؟ فقال:"لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا".