وبعبارة أخرى فإن هذا التوحيد معناه الإقرار بأن الله عز وجل هو الفاعل المطلق في الكون: بالخلق, والتدبير والتغيير, والتيسير, والزيادة, والنقص والإحياء, والإماتة, وغير ذلك من الأفعال, لا يشاركه أحد في فعله سبحانه.
وقد أفصح القرآن عن هذا النوع من التوحيد جد الإفصاح, ولا تكاد سورة من سورة تخلوا من ذكره أو الإشارة إليه, فهو كالأساس بالنسبة لأنواع التوحيد الأخرى, لأن الخالق المالك المدبر هو الجدير وحده, بالتوجه إليه بالعبادة والخشوع والخضوع, وهو المستحق وحده, للحمد والشكر, والذكر, والدعاء, والرجاء, والخوف, وغير ذلك. والعبادة كلها لا يصح أن تكون إلا لمن له الخلق والأمر كله.
ومن جهة أخرى فإن الخالق المالك المدبر هو الجدير وحده بصفات الجلال والجمال والكمال, لأن هذه الصفات لا تكون إلا لرب العالمين, إذ يستحيل ثبوت الربوبية والملك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا قادر ولا متكلم ولا فعال لما يريد ولا حكيم في أقواله وأفعاله.
ولهذا فإنا نجد أن القرآن الكريم قد ذكر هذا النوع من التوحيد في مقام الحمد لله, وعبادته, والانقياد له والاستسلام. وفي مقام بيان صفاته الجليلة وأسمائه الحسنى:
ففي مقام الحمد يتلو المسلم في كل ركعة يصليها (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: آية 2)
ويقول سبحانه وتعالى {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الجاثية - آية 36)
وفي مقام الاستسلام لله والانقياد له قال: عز وجل: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام- آية 71)
وفي مقام التوجه لله عز وجل وإخلاص القصد إليه قال: عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام - آية 162)
وفي مقام تولي الله عز وجل دون غيره قال: سبحانه {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ} (الأنعام -آية 64)
وفي مقام الدعاء قال: عز وجل: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ , ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف - الآيتان 54, 55)