رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا {51} يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا {52} (الإسراء: الآيات 49 - 52)
فانظر إلى هذه الشبهات التي أثاروها وما يثيره المنكرون في كل عصر لا يتعداها: أنهم يستعظمون على الله تحويل ما تؤول إليه الأجساد من الرفات والعظام إلى خلق جديد يحس ويشعر ويستكثرون عليه قدرته على ذلك ويستبعدون هذا الأمر لأنهم لا يعلمون متى هو وهي شبهات - كما ترى - مبعثها الجهل بطبيعة الحياة والموت والغفلة عن قدرة الله عز وجل والتعامي عن آثار هذه القدرة المطلقة في الإنشاء من العدم وكان يكفيهم - لو كانوا يعقلون - أن يتذكروا قدرة الله عندما خلقهم أول مرة ولم يكونوا شيئا ليوقنوا بصدق الباري فيما أخبرهم عن المعاد والحساب والثواب والعقاب فالقضية بسيطة والجواب مفحم مع بساطته وبداهته: فأن الإنسان قد وجد نفسه مخلوقا بعد أن لم يكن فلا بد له من خالق أوجده من العدم ثم تحول من حال إلى حال بمفارقة الحياة فلا بد من فاعل لهذا التحول وليس هو إلا الله الذي خلق أول مرة ولو كان غيره لاستطاع أن يدفع عن نفسه الموت فإذا أخبر بعد ذلك هذا الخالق المحيي المميت بأنه سيحيي الإنسان مرة أخرى ويعيد خلقه كانت مناقشته في ذلك عنادا واستكبارا قال: تعالى {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الجاثية - الآية 26)
1 -وقال: تعالى:
{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ 77} وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قال: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ {78} قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ {79} الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ {80} أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ {81} إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {82} فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {83} (يس - الآيات 78 - 83)
يقول شارح العقيدة الطحاوية في شرح هذه الآيات الكريمة (فلو رآه أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها بألفاظ تشبه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضوح الأدلة وصحة البرهان لما قدر فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد اقتضى جوابا فكان في قوله تعالى(وَنَسِيَ خَلْقَهُ) ما وفى الجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة ولما