للمؤمنين شر في ظاهره لما فيه من الآلام والمحن ولكنه تمحيص للنفوس وتطهير للصفوف وتربية للأرواح فضلا عن الثواب الجزيل والخير العميم وخلق إبليس فيه حكم كثيرة ظاهرة كتوبة البشر بعد الزلل واستخراج عبودية المؤمنين لله تعالى بجهاد إبليس وحزبه والصبر على إغرائه وإغوائه والالتجاء إلى حمى الله واللياذ بركنه الركين وهكذا فإن كل ما كان شرا إنما هو أمر نسبي إضافي فهو خير من جهة تعلق فعل الرب وتكوينه وشر بالنسبة إلى من هو شر في حقه فله وجهان هو من أحدهما خير وهو الوجه الذي نسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى خلقا وتكوينا ومشيئة لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر الله بعلمها وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين حكما كثيرة مترتبة على خلق إبليس منها:
1 -أن تظهر للعباد قدرة الله تعالى على خلق المتضادات المتقابلات فخلق هذه الذات التي هي أخبث الذوات وسبب كل شر في مقابلة ذات جبريل عليه السلام التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها وهي سبب كل خير وظهرت قدرته سبحانه أيضا في خلق الليل والنهار والداء والدواء والحياة والموت والحسن والقبيح وغير ذلك مما يدل أعظم الدلالة على كمال قدرته سبحانه.
2 -ظهور آثار أسماء الله القهرية مثل القهار والمنتقم والشديد العقاب والسريع الحساب ذي البطش الشديد والمعز والمذل فهذه الأسماء والأفعال لابد من وجود ما تتعلق به ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة كانت هذه الأسماء حقا لإخبار الله بها ولكن لن يظهر أثر هذه الأسماء على الخلق.
3 -ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده فلولا خلق الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد.
4 -ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة فهو يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو أعلم حيث يجعل رسالته وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكر له جميل صنعه.
5 -إظهار واستخراج العبوديات المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما ظهرت كالجهاد والموالاة والمحبة في الله والبغض في الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتوبة إلى الله والرجوع إليه ومخالفة أعداء الله والاستعاذة بالله منه والحذر من الغرور وغير ذلك.