ولذلك كان التطرف إما المجافاة عما أمر الله عز وجل وأمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو الغالي في أمر الله أو في أمر رسوله فكلاهما مضيع لأمر الله لأن كلاهما قد تجاوز الحد ثم إن هذه الوسطيه جاءت بوصف الله عز وجل لهذه الأهة وليس بحكم الناس لها أو عليها ذلك بقوله (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)
ومن هنا يتبين أن الوسطية في هذه الأمة ليست معيارا بشريا ولكنها صفة تميزت بها في هذا الدين وتميزت بها شرائعها التي هي من عند الله عز وجل فالدين وأهله براء من الانحراف سواء كان هذا الانحراف بالجنوح إلى الغلو أو الجنوح إلى التقصير
وصور هذه الوسطيه ومظاهرها في الدين كثيره إذ هي شاملة لجميع جوانب الحياه فكل أمر من أوامر الإسلام جاء على وفق العدل ولكني أورد هنا مثالا الغلو ببيان العدل والوسط أولا فنحن نرى أن اليهود قال الله تعالى عنهم {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة:96] وهذا وصف من الله عز وجل لهم يبين لنا حقارة منهجهم الدنيوي والأخروي وفي المقابل فإن النصارى قال الله عز وجل في حقهم {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:27] وهم بهذا حرموا أنفسهم حقها في الحياة الكريمة وأمام هذين المنهجين الغالي والمجافي جاء الإسلام الوسط وأعطى كل ذي حق حقه فقال تعالى {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77] ولكنه سبحانه ربط هذين الأمرين ابتغاء الدنيا وابتغاء الآخرة بقوله (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ) بل وقال الله تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف:32] ولكن الله سبحانه وتعالى أيضا أتبع ذلك بقوله (قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وقد نهانا القرآن الكريم عن الإفراط في حب المال فقال تعالى اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ