قال أبو القاسم القشيري:
وكان أبو عبيد البسري إذا كان أول شهر رمضان، يدخل بيتًا، ويقول لامرأته: طيني علي الباب وألقي إلي كل ليلة من الكوة رغيفًا. فإذا كان يوم العيد، فتح الباب ودخلت امرأته البيت، فإذا بثلاثين رغيفًا في زاوية البيت، فلا أكل، ولا شرب ولا نام، ولا فاتته ركعة من الصلاة.
عن ابن أبي عبيد البسري قال: رأيت - يعني أباه - في بعض الليالي، قد اضطرب، وبكى بكاء كثيرًا، ولم نكن نجترئ عليه إذا أصابه سبب، وهو بين يدي ربه، أن نكلمه. فلما أصبحنا، قلت له: يا أبه، رأيت الليلة منك شيئًا لم أكن أراه فيما مضى. فقال: وما هو؟ قلت: رأيتك، وقد بكيت، وأكثرت البكاء، واضطربت اضطرابًا كثيرًا. فقال: يا بني، لا تلمني؛ كنت واقفًا بين يدي الله عز وجل، أصلي، وأنعس، ثم انتبه، فأرجع إلى القراءة، فأنعس، فأصابني ذلك مرارًا، فلم أعلم إلا بإنسان قد أخذ بعضدي، ثم قال لي: انظر بين يدي من أنت قائم! واستفرغ علي من البكاء ما رأيت.
حدث أبو عبيد البسري قال: رأيت في منامي كأن مناديًا ينادي: يا أبا عبيد قم - رحمك الله - إلى الصلاة، فذهب بي النوم. فناداني مرة أخرى، فذهب بي النوم، فانتبهت، ويده على رأسي، وهو يقول: قم يا حبيبي، فقد رحمك الله.
ورأيت كأن القيامة قد قامت، وقد اجتمع الناس، وإذا المنادي ينادي: يا أيها الناس، من كان من أصحاب الجوع في دار الدنيا، فليقم إلى الغداء. فقام ناس من الناس واحد بعد واحد، ثم نوديت: يا أبا عبيد، قم. فقمت، وقد وضعت الموائد. فقلت لنفسي: ما يسرني أني ثم.