منها إلا صبابة كصبابة الإناء يصطبها أحدكم، ألا وإنكم منتقلون من هذه الدار لا محالة إلى دار مقامة، فانتقلوا بخير ما يحضرنكم، ولقد بلغني أن الحجر يلقى من شفير جهنم فلا يبلغ قعرها سبعين خريفًا، فعجبتم، والله لتملأن! لقد بلغني أن للجنة ثمانية أبواب، عرض ما بين جانبي الباب مسيرة خمس مئة عام، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق الشجر وشوك القتاد حتى قرحت أشداقنا؛ ولقد التقطت يومًا تمرة فشققتها بيني وبين سعد بن أبي وقاص، وما منا اليوم رجل إلا وهو أمير على مصر من الأمصار، ألا وإنها لم تكن نبوة فتطاولت، إلا تناسخت ملكًا، وأعوذ بالله أن أكون عظيمًا في نفسي، صغيرًا في أعين الناس، وستجربون الأمراء بعدنا وتعرفون منهم وتنكرون؛ يغفر الله لي ولكم.
قال: فبينا عتبة في خطبته إذ أقبل رجل من ثقيف - يكنى أبا عبد الله - بكتاب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن غزوان: أما بعد فإن أبا عبد الله ذكر أنه اقتنى خيلًا بالبصرة حين لا يقتنيها أحد، فإذا أتاك كتابي هذا فأحسن جوار أبي عبد الله وأعنه على ما استعانك عليه.
فكان أبو عبد الله أول من ارتبط بالبصرة فرسًا واتخذه، وكان سعد بن أبي وقاص يكتب إلى عتبة بن غزوان كتاب الأمير عليه، فأنف من ذلك عتبة وكتب إلى عمر أن يقدم عليه، فأذن له واستخلف عتبة على البصرة المغيرة بن شعبة. فجاء إلى عمر فشكا إليه تسليط سعد بن أبي وقاص عليه؛ فسكت عمر عنه، فأعاد ذلك مرارًا حتى أكثر عليه فقال: وما عليك يا عتبة أن تقر بالإمارة لرجل من قريش له صحبة مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشرف! فلما قضى حجه أمره أن يرجع إلى عمله، فأبى أن يفعل، وحلف أن لا يرجع إليه أبدًا ولا يلي عملًا. فكتب عمر إلى المغيرة فاستعمله على البصرة، وأمره أن يغزو من قبله،