الأمر الثالث: أن هذا الحديث في أبواب الأدعية والأذكار, وهو من أدنى مراتبها لا من أعلاها، وذلك أن الأذكار التي يراد منها حمد لله سبحانه وتعالى، ويراد منها حرز، والحرز يكون قبل مباشرة الحدث، يعني: قبل دخول الإنسان إلى الخلاء، ولهذا الدخول إلى الخلاء جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك بأسانيد كالشمس، وأما حديث الخروج لكونه متضمنًا لحمد الله سبحانه وتعالى على نعمته فكان دون الدخول مرتبة, فحمل من هو دون ذلك، والرواة الكبار في روايات الأدعية والأذكار يهتمون بضبط الأحاديث التي فيها حرز في بابها، وأما ما كانت من جملة مطلق الأدعية والأذكار التي لا تتضمن حرزًا وإنما من الأذكار التي يثاب عليها الإنسان من حمد الله سبحانه وتعالى وتسبيحه وغير ذلك، فإن هذا يرويه الواحد منهم ويدعه الجماعة، وهذا ظاهر في هذا الحديث. وأيضًا فإن ذلك دلت عليه الأصول العامة وهو أن الإنسان إذا أزال الله جل وعلا عنه الأذى فإنه يحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليه من زوال ذلك. واختلف تعليل العلماء في سبب سؤال الله الغفران في علل مختلفة متباينة، ولا يظهر لي رجحان شيء منها. وهذا يؤخذ منه أن الراوي المجهول لا يعل بإطلاق, وإنما يحتمل قبول روايته في بعض الأحيان، بالنظر إلى جملة القرائن المحتفة ببعض المتون، وكذلك النظر إلى شيوخه؛ فإذا كان مجهولًا يروي عن أبيه أو عن أمه، أو كان من النساء، أو أبوه أو جده ونحو ذلك, أو من بيت صحبة ونحو ذلك فإن ثمة وازعًا من الطبع يبعده عن الخلط المتعمد، أو عدم العناية بضبط المرويات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن يوسف بن أبي بردة يروي عن أبيه وجده أبي موسى الأشعري عليه رضوان الله تعالى، و أبو بردة هو من أجل التابعين وخيارهم وفضلائهم، وكذلك فإن روية الثقة عنه وهو إسرائيل مع تفرده بهذا الحديث وإخراج الأئمة لهذا الحديث في هذا الباب من قرائن قبوله.