والاحتياط في ذلك أن يتوضأ ويقرأ، فوجود الوضوء هو محل اتفاق عندهم أنه أتم وأكمل وأصح، وقراءة القرآن صحيحة بالاتفاق، فيرون هذا هو الاحتياط، وعدم الاحتياط هو ما كان من مواضع الخلاف، وأما الاحتياط فيما لم يرد فيه دليل فهذا هو التنطع، وفرق بين التنطع والاحتياط فيما ورد فيه دليل عن الشارع ولو كان فيه ضعف يسير. ومعنى التنطع أن الإنسان على سبيل المثال أن يحتاط من لباس من الألبسة لم يرد الدليل لا في المرفوع الصحيح، ولا في الضعيف، ولا في الموقوف نهي عنه، كأن ينتهي الإنسان مثلًا عن لبس اللون الأخضر من الثياب، أو الأزرق أو نحو ذلك، هذا لم يرد فيه لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة، فيقال الأمر حينئذ على الترخيص، وترك ذلك على سبيل الاحتياط يقال: إنه تنطع، ولكن لو وردت الكراهة في ذلك عن أحد الصحابة، فتركه الإنسان، أو ورد فيه شيء ضعيف، نقول: ولو كان ضعيفًا إذا فعله الإنسان فهو حسن؛ لهذا نقول: إن العلماء يقولون بهذا الحديث على سبيل الاحتياط، وإنما لم نقطع بالقول بالتحريم في القراءة للجنب لضعف الحديث المرفوع، وللخلاف الواقع بين الصحابة، وللخلاف الواقع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحديث الثاني في هذا: حديث عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه أنه قال: سنة مسنونة إذا أراد المؤذن أن يتوضأ، وأن يكون قائمًا. هذا الحديث رواه البيهقي في السنن، والدارقطني في كتابه الأفراد والغرائب من حديث عمير عن الحارث بن عيينة، عن عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه فذكره. وهذا الحديث قد تفرد به عمير عن الحارث بن عيينة، وهذا الحديث أعله غير واحد من العلماء بالتفرد كما نص على ذلك الدارقطني في كتابه الأفراد.