وعلى هذا فيقال: إن الأئمة الأوائل في ترجيح هذا الخبر على أمرين: الأمر الأول: منهم من صوب المرسل, وهذا رأي الدارقطني عليه رحمة الله، بترجيحه لحديث عبد الرحمن بن مهدي عن زيد، وكذلك تابعه معمر عن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الأمر الثاني: هو رأي البخاري؛ وذلك أنه قال: إن عطاء في روايته عن أبي واقد قد أدركه وهو محفوظ، والموقف من هذا التعليل وهذه الطرق التي تقدم الكلام عليها أن خلاف العلماء في ذلك ينظر إليه من وجوه: منها: الجمع إذا أمكن الجمع بحيث يقال: إن الترجيح في كلام البخاري يختلف عن الترجيح في كلام الدارقطني؛ وذلك أن الدارقطني قد قصد طريقًا يختلف عن الطريق الذي رجحه البخاري؛ وذلك أن الدارقطني عليه رحمة الله في ترجيحه لرواية عبد الرحمن بن مهدي ورواية معمر عن زيد مرسلًا يقصد عليه رحمة الله الحديث الذي رواه سليمان بن بلال، فإن سليمان بن بلال قد روى هذا الحديث وجعله من مسند أبي سعيد الخدري، فهو يرويه عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد الخدري، وقد جاءت رواية عبد الرحمن و معمر عن زيد مرسلًا فلم يجعله موصولًا، وقد جاء أيضًا مرسلًا -وهو الوجه الثالث في هذا- من مرسل عطاء بن يسار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أن الدارقطني قصد طريق سليمان بن بلال عن زيد، فرجح رواية عبد الرحمن بن مهدي عليه، وهذا محتمل. و أما البخاري عليه رحمة الله فإنما قصد أصل الطريق الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو داود و الترمذي، وهو ما تقدمت الإشارة إليه، وذلك في رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار في تفرده بهذا الحديث حيث صوب هذا الوجه، وعلى طريقة البخاري وترجيحه ذهب عامة المتأخرين، وهو الذي مال إليه الترمذي عليه رحمة الله في ظاهر صنيعه في كتابه السنن.