وأيضًا ينظر إلى حال الرواة فهذا من آثاره، فيقارن بين الراوي المرسل إذا كان له دراية وبين الراوي المرسل الذي ليس له دراية، فالراوي المرسل الذي له دراية وفقه يعل الحديث به، ما الذي حملة على الإرسال؟ يغلب عليهم الفقه فإنهم يرسلون ولا يلتفتون إلى ضبط الأسانيد، فحينئذ هذا من القرائن الذي قد تحمل منه. فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون من أهل العناية بالتمييز بين الرواة الذين هم من أهل الرواية فقط، وبين الرواة الذين لهم دراية ولهم فقه. والأئمة عليهم رحمة الله تعالى يجعلون كثيرًا من آثار الأسانيد في أبواب الإرسال والاتصال, وفي أبواب ضبط الألفاظ وتغيير المعنى وأثر الرواة الذين لهم دراية فهم السبب في ذلك، وهذا ما ينبغي لطالب العلم أن يكون على عناية بها, خاصة في أبواب الترجيح بين تغير المتون، ووقفها ورفعها ونحو ذلك، فإن هذا من مسائل الاحتياط.
ومن القرائن في هذا الذي ينبغي للطالب العلم أيضًا أن يهتم بها: أنه بعض الرواة له عناية بالموقوفات أكثر من المرفوعات، فإذا اختلف الوقف والرفع عنده فإنه أضبط لغيره ولو كان ممن هو أحفظ منه، فيكون حينئذ الصواب في ذلك الوقف؛ وهذا كحال هشيم بن بشير السلمي , فإن هشيمًا وإن كان من الأئمة الثقات إلا أنه ممن يكثر رواية الموقوفات على الصحابة، وكذلك المقطوعات، حتى قال الإمام أحمد عليه رحمة الله: أخذنا الموقوف عنه، يعني: الآثار الموقوفة، فهو ضابط وعالم وبصير بفقه السلف ومروياتهم, سواء من المدنيين أو من العراقيين، وقد نبه على هذا غير واحد، ولهذا يعتني بمروياته من يصنف في هذا الباب كعبد الرزاق و ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم، وثمة مرجحات في هذا كثيرة وسوقها مما يطول.