وهذا الإعلال من البخاري عليه رحمة الله لرواية ابن أبي ذئب عن أبي الزبير هو إعلال مهم لطالب العلم أن يتوقف عنده، والمراد من هذا أن طالب العلم لا ينبغي له أن ينظر إلى ذات الرواة ورسومهم، وإنما ينظر إلى تراكيب الإسناد وإن كان ظاهر الإسناد الصحة، فإننا إذا نظرنا إلى رواية ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله نجد أن ظاهرها الحسن والصحة والجودة، ولكن إذا نظرنا إلى هذا التركيب نجد أن ابن أبي ذئب مع كونه له أحاديث عن جابر بن عبد الله إلا أنه لا تعرف له رواية عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، وهذا مرده إلى السبر؛ وأنه ينبغي لطالب العلم أن يسبر أحاديث الرواة، فيكون سابرًا مثلًا لأحاديث جابر بن عبد الله، وسابرًا أيضًا لأحاديث أصحابه، فما خرج عن تلك القاعدة من رواية المشهورين فإنه لا ينبغي قبوله مع ظهور التوثيق فيه. والعلة في رواية ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله يظهر أنها فيمن دون ابن أبي ذئب، فإن ابن أبي ذئب مع كونه ثقة، وروايته عن أبي الزبير , و أبو الزبير أيضًا ثقة ويروي عن جابر بن عبد الله؛ فالوهم حينئذ من غيرهم, فكان هذا الإسناد مركبًا. وبه نعلم أن معرفة الأسانيد المركبة والمقلوبة حيث أبدل راو براو أنه لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بإدامة نظر, وضبط للأسانيد, ومعرفة للشيوخ والتلاميذ، فإذا نظرنا في ترجمة ابن أبي ذئب فإننا لا نجد أنهم يذكرون من شيوخه أبا الزبير، وكذلك حينما يترجمون لمحمد بن مسلم بن تدرس وهو: أبو الزبير لا يذكرون من تلامذته ابن أبي ذئب، وبهذا نعلم أن هذا من القرائن التي تدل على نكارة هذا الطريق. وبه نعلم أيضًا أن هذا الطريق الذي يروى به مرفوعًا أنه منكر، والحمل في ذلك على الحسين بن يزيد , فإنه قد تفرد بهذه الرواية، وهو مضعف ولين الحديث.